هل نغيّر نظام الثانوية العامة… أم نغيّر التعليم فعلًا؟
أ.د أسامة ماهر حسين – المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي
منذ أن أُعلن عن نظام البكالوريا المصرية، والنقاش الدائر حوله يتوزع بين معسكرين: معسكر يبحث عن “شكل” الامتحان الجديد، ومعسكر يبحث عن “روح” النظام الجديد. وبين المعسكرين تضيع القضية الأهم، والتي أراها المفتاح الحقيقي لنجاح أي إصلاح تعليمي: العلاقة بين التدريس والتقويم.
فأخشى أن نرتكب أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه أي منظومة تعليمية جديدة: أن نغيّر اسم النظام، ونغيّر شكل المناهج، ونغيّر نمط الامتحان، ثم نترك المعلم يدرّس بعقلية الأمس، والطالب يتعلم بعقلية الامتحان، والتقويم يحاسب الجميع بمنطق الماضي. عندها لن نكون قد غيّرنا التعليم، سنكون فقط قد غيّرنا واجهة التعليم.
وأنا هنا لا أكتب دفاعًا عن البكالوريا
ولا هجومًا عليها، ولا أزعم أن الصورة اكتملت أمام الجميع، بل أكتب من زاوية أراها شديدة الأهمية: أن السؤال الحقيقي ليس “الطالب هيمتحن إزاي؟”، بل كيف سيتعلم الطالب؟ وكيف سيُدرّس المعلم؟ وكيف سنتأكد أن التعلم حدث بالفعل؟ لأن هذه الأسئلة الثلاثة يجب ألا تتحرك في ثلاثة اتجاهات مختلفة.
❖ التقويم هو الذي يحكم التعليم من حيث لا نشعر
يمكننا أن نكتب في وثائق المناهج أجمل الكلمات عن الإبداع، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم النشط، والتعلم التعاوني، والتعلم الذاتي. لكن اسألوا أنفسكم: ماذا سيحدث عندما يدخل الطالب الامتحان؟ هنا تظهر الحقيقة. فالطالب في النهاية يتعلم وفقًا لما يعرف أنه سيُقاس عليه، والمعلم يدرّس وفقًا لما يعرف أن طلابه سيُمتحنون فيه، وولي الأمر يدفع ابنه نحو ما يعتقد أنه سيحقق له الدرجة الأعلى.
تخيل معلم لغة عربية أمضى فصلًا دراسيًا كاملًا يدرّب طلابه على مناقشة نص أدبي، وتحليل بنائه، ومقارنته بنصوص أخرى، ثم يُفاجأ في نهاية العام بامتحان يطلب من الطالب استظهار تعريف “الاستعارة” و”الطباق” فحسب. في هذه اللحظة، كل جهد ذلك المعلم في تدريب الفهم والتحليل يتبخر، لأن الطالب سيتعلم من التجربة درسًا واحدًا: “اللي بيحصّل درجات هو الحفظ، مش الفهم”. وهذا بالضبط ما يحدث حين ينفصل التقويم عن فلسفة التدريس، مهما كانت جميلة على الورق.
فإذا كان الامتحان يقيس الحفظ
، سينتصر الحفظ مهما كانت فلسفة المنهج. وإذا كان يقيس استرجاع المعلومات، سيتراجع الفهم. وإذا كان يقيس أنماطًا ثابتة من الأسئلة، ستتحول الدروس إلى تدريب على تلك الأنماط. أما إذا كان التقويم يقيس الفهم والتطبيق والتفكير وحل المشكلات واستخدام المعرفة في مواقف جديدة، فسوف يتغير التدريس، وسوف يتغير التعلم، وسوف يتغير الطالب نفسه.
ولهذا أقول: التقويم ليس نهاية العملية التعليمية، بل هو الذي يعيد تشكيلها كلها.
❖ لا يمكن أن نطالب المعلم بطريقة جديدة ونحاسبه بأدوات قديمة:
إذا أردنا من المعلم أن يستخدم التعلم القائم على المهام، فلا بد أن يكون هناك تقويم يقيس أداء الطالب في المهمة، لا مجرد معرفته النظرية بها. وإذا أردناه أن يستخدم التعلم بالمشروعات، فلا بد أن نمتلك أدوات عادلة لتقييم المشروع لا الحفظ عنه. وإذا أردناه أن يدرّب الطالب على التفكير وحل المشكلات، فلا بد أن يرى الطالب هذه المهارات حاضرة فعليًا في التقويم، لا في الشعارات فقط. وإذا أردناه أن يجعل الطالب يتحدث ويناقش ويبرر ويقدّم الحجج، فلا يمكن أن يظل كل تقويمنا ورقة أسئلة صامتة. وإذا أردناه أن يوظّف التكنولوجيا والموارد الرقمية، فلا بد من مساحة لتقييم قدرة الطالب على استخدامها بذكاء، لا مجرد امتلاكه للمعلومة عنها.
فلا يمكن أن نقول للمعلم “غيّر طريقة التدريس”، ثم نقول للطالب “انسَ كل هذا، الامتحان في مكان آخر”. هذه بالتحديد نقطة الخطر.
❖ من “الدرجة” إلى “الرادار”: إعادة تعريف التقييم الصفي:
أخشى أن يتحول التقييم الصفي في أي منظومة جديدة إلى مجرد سجل درجات: اختبار، ثم درجة، ثم اختبار، ثم درجة، ثم نجمع الدرجات في النهاية. لكن السؤال الذي يجب أن يسبق الدرجة هو: ماذا عرفنا عن تعلم الطالب من هذا التقييم؟ هل عرفنا ما الذي أتقنه، وما الذي لم يتقنه؟ هل عرفنا سبب الخطأ؟ هل اكتشفنا فجوة تعليمية وتدخلنا لعلاجها؟ وهل أعدنا التقييم لنتأكد أن الفجوة أُغلقت؟
هنا يتحول التقييم من أداة للحكم على الطالب إلى أداة لإنقاذ تعلّمه، وهنا فقط يصبح جزءًا من التدريس نفسه، لا ملحقًا به.
فالمعلم الذي لا يستخدم التقويم أثناء التدريس أشبه بمن يقود سيارته بلا عداد. قد يشرح درسًا كاملًا، والطلاب يهزون رؤوسهم موافقين، وقد يسأل “فاهمين؟” فتأتي الإجابة الجماعية “أيوه يا مستر”، لكن هل حدث التعلم فعلًا؟ لا أحد يعرف، إلا إذا كان لدينا تقويم تكويني ذكي يكشف ذلك: سؤال قصير، مهمة، مناقشة، موقف تطبيقي، خطأ يكشف سوء فهم. عندها يصبح التقويم رادارًا داخل الحصة، يخبر المعلم: توقف هنا، هذه الفجوة لم تُغلق بعد. أو: تقدّم، الطلاب جاهزون للانتقال إلى مستوى أعلى. وهذا هو الفارق الحقيقي بين معلم “يشرح المنهج” ومعلم “يقود عملية التعلم”.
❖ أخطر ما يمكن أن يحدث للبكالوريا: انفصال التدريس عن التقويم:
تخيلوا أن نواتج التعلم تقول شيئًا، والمعلم يدرّس شيئًا آخر، والأنشطة تدرّب الطالب على شيء ثالث، والتقييم الصفي يقيس شيئًا رابعًا، والامتحان النهائي يقيس شيئًا خامسًا. عندها لن تكون لدينا منظومة تعليمية، بل مجموعة من الجزر المنعزلة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس “ما شكل امتحان البكالوريا؟” بل: هل هناك اتساق حقيقي بين كل مكونات المنظومة؟ هل ما نريد من الطالب أن يتعلمه هو فعلًا ما يتم تدريسه؟ وهل ما يتم تدريسه هو فعلًا ما يتم التدريب عليه؟ وهل ما يتم التدريب عليه هو فعلًا ما يتم تقويمه؟ وهل ما يتم تقويمه هو فعلًا ما نريد أن يتعلمه الطالب؟
إذا كانت الإجابة “نعم” في كل خطوة، فنحن أمام منظومة متماسكة. أما إذا اختلّت حلقة واحدة من هذه السلسلة، فمهما كانت جودة المنهج أو جمال فلسفة النظام، ستظل هناك فجوة خطيرة تهدد نجاح التجربة كلها.
❖ البكالوريا الحقيقية تبدأ من داخل الفصل، لا من لجنة الامتحان:
في رأيي المتواضع، لن يحدد مستقبل البكالوريا ورقة الامتحان وحدها. سيبدأ من أول سؤال يطرحه المعلم على الطالب، ومن أول مهمة يُطلب منه إنجازها، ومن أول خطأ يُكتشف، وأول تغذية راجعة يحصل عليها، وأول تدخل علاجي يُقدَّم له، ثم من إعادة تقييم تثبت أن التعلم قد تحقق فعلًا.
فالتعليم الحقيقي لا يحدث حين نُخبر الطالب بالمعلومة، بل حين نعرف: هل فهمها؟ هل يستطيع استخدامها؟ هل يستطيع نقلها إلى موقف جديد، أو التفكير بها، أو حل مشكلة بها، أو توظيفها في حياته؟ وهذه الأسئلة لا يجيب عنها امتحان واحد مهما كان جيدًا، بل تحتاج إلى منظومة تقويم متكاملة تبدأ مع بداية التعلم ولا تنتظر نهايته.
❖ رسالة إلى كل من يهمه مستقبل البكالوريا:
إذا كنا جادين في بناء نظام جديد، فلا بد أن ننتبه إلى حقيقة واحدة: لا يمكن إصلاح التعليم بإصلاح عنصر واحد فقط. لا يكفي أن نغيّر المنهج، ولا يكفي أن نغيّر الامتحان، ولا يكفي أن ندرّب المعلم على استراتيجيات حديثة، ولا يكفي أن نطالب الطالب بالتعلم النشط. كل هذه العناصر يجب أن تتحرك معًا، في منظومة تبدأ بنواتج تعلم واضحة، ثم محتوى مناسب، ثم تدريس متسق معها، ثم أنشطة حقيقية يمارس فيها الطالب ما يتعلمه، ثم تقويم تكويني مستمر، ثم تغذية راجعة، ثم تدخلات علاجية، ثم إعادة تقييم، ثم تقويم ختامي صادق وعادل. وأي خلل في حلقة من هذه السلسلة سينعكس حتمًا على بقية الحلقات.
ولهذا فإن أخطر سؤال في البكالوريا ليس “كيف سيمتحن الطالب؟”، بل “كيف سيتعلم الطالب طوال العام؟”
لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد كيف سيدرّس المعلم، وكيف سيتعلم الطالب، وكيف سيُقيَّم، وكيف ستُبنى شخصيته، وكيف سيخرج إلى الجامعة وسوق العمل والحياة.
فالبكالوريا ليست مجرد شهادة جديدة، وليست مجرد نظام امتحانات جديد، وليست مجرد تغيير في عدد المواد أو شكل الأسئلة. إذا أردنا لها النجاح فعلًا، فعلينا أن نتعامل معها باعتبارها مشروعًا لإعادة بناء علاقة كاملة بين التعليم والتعلم والتقويم؛ فلا تدريس بلا تقويم يكشف أثره، ولا تقويم بلا تدريس يمهّد له، ولا تعلم حقيقي بلا تغذية راجعة تصحح مساره، ولا إصلاح تعليمي حقيقي إذا كانت نواتج التعلم في وادٍ، والتدريس في وادٍ، والتقويم في وادٍ آخر.
وأعتقد أن المعادلة التي يجب أن تحكم البكالوريا من أول يوم هي:
ما نريد أن يتعلمه الطالب = ما ندرّسه له = ما نطلب منه أن يمارسه = ما نقيسه عليه.
فإذا تحقق هذا الاتساق، نكون قد بدأنا فعلًا في بناء تعليم جديد. أما إذا اختلّ، فقد نكون بنينا نظامًا جديدًا للامتحان، لكننا لم نبنِ بعد نظامًا جديدًا للتعليم.
وهنا تحديدًا، يجب أن يبدأ الحوار الحقيقي حول البكالوريا.
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام

