بقلم: أ.د. الهلالي الشربيني الهلالي
أستاذ التخطيط التربوي بجامعة المنصورة
وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الأسبق
الأربعاء 22 / 4 / 2026
في زمنٍ يُقاس فيه النجاح بعدد الدرجات وتكدّس الشهادات، يفرض سؤالٌ نفسه بإلحاح: ماذا لو نجح العقل… وغاب الضمير؟
الحقيقة التي نؤجل مواجهتها أن التربية ليست مجموع درجات، ولا شهادة تُعلّق على الجدران، ولا جسدًا سليمًا يمشي على الأرض. التربية مشروع إنساني متكامل، يُبنى فيه الإنسان في كل أبعاده، عبر رحلة ممتدة من التشكّل والنمو
التربيةً، في جوهرها، هي عملية تنمية شاملة: للعقل، وللسلوك، وللقيم، وللوجدان. وهي علم تطبيقي تتداخل فيه الفلسفة بعلم النفس، ويعانق فيه الاجتماعُ الاقتصادَ، وتلتقي فيه الإدارة بالقانون. ومن ثمّ، فالمربي — أسرةً كان أو مؤسسةً تعليمية — مطالب بأن يُنمي هذه الجوانب جميعًا فى شخصية الطفل دون أن يطغى جانب على آخر. ولا يكون مجرد ناقل للمعرفة، وإنما صانع لإنسان متوازن، يُحسن التمييز قبل أن يُحسن التحصيل
والخلل يبدأ حين تُختزل التربية في بُعديها البدني والمعرفي فقط، وكأن الصحة الجسدية والتفوق الدراسي كافيان للحكم على نجاح العملية التربوية. وهنا يفرض السؤال نفسه: هل يكفي أن يكون الطفل متفوقًا دراسيًا وسليمًا بدنيًا لنقول إننا أدّينا دورنا التربوي؟ الإجابة القاطعة: لا.
ذلك أن إهمال الجوانب الأخلاقية والقيمية والدينية يخلق خللًا كامنًا لا يظهر في حينه، بل ينمو تدريجيًا في صمت، حتى تأتي لحظة الاختبار، فتتكشف الحقيقة في صورة صادمة. وهنا تكمن خطورة “التربية المثقوبة” التي تُنتج أفرادًا ناجحين ظاهريًا، لكنهم مشوّهون داخليًا.
والواقع لا يخلو من أمثلة مؤلمة تؤكد ذلك؛ فقد شهدت مصر في تسعينيات القرن الماضي واقعة لطالب في كلية الطب، كان متفوقًا دراسيًا ويتبوأ موقعًا قياديًا بين زملائه، قبل أن يُكتشف تورطه في قيادة عصابة لسرقة الشقق. هذا النموذج لا يكشف عن فشل دراسي، بل عن خلل قيمي عميق ظل خفيًا ينمو في صمت حتى وجد البيئة المناسبة فانفجر.
وإذا وسّعنا دائرة النظر، سنجد صورًا أكثر خطورة تتكرر من حين لآخر: شباب متعلمون يقعون في براثن تعاطي المخدرات أو الاتجار بها، رغم نشأتهم في أسر وفرت لهم تعليمًا جيدًا وحياة كريمة. وأطباء — يُفترض أنهم حماة للحياة — ينحرف بعضهم إلى الاتجار غير المشروع في الأعضاء البشرية. وموظفون ومسؤولون، كبارًا كانوا أو صغارًا، يتورطون في الخيانة أو الرشوة والفساد، رغم ما يحملونه من شهادات، وما يشغلونه من مواقع، وما يتقاضونه من مرتبات ومكافآت.
هذه الوقائع، على اختلافها، يجمعها خيط واحد: خلل تربوي قديم لم يُنتبه إليه في الطفولة، ولم يُعالج في بداياته، فظل كامنًا يتنامى مع الزمن، حتى وجد البيئة التي احتضنته، فتحوّل إلى قنبلة قابلة للانفجار في وجه المجتمع في أي لحظة.
والمشكلة الأكبر أن المجتمع كثيرًا ما يُخدع بالمظاهر؛ فيرى الشهادة العلمية أو المكانة الاجتماعية دليلًا على اكتمال البناء التربوي، بينما يكون الأساس القيمي هشًا. وعند أول اختبار حقيقي، ينهار هذا البناء مهما بدا صلبًا من الخارج.
من هنا، تتأكد الحاجة إلى إعادة الاعتبار للتربية الشمولية بوصفها ضرورة لا ترفًا. فالمجتمعات لا يحميها العلم وحده، بل تحميها القيم التي تضبط هذا العلم وتوجّهه. ولا يكفي أن نُعلّم أبناءنا كيف ينجحون، بل يجب أن نُعلّمهم لماذا ينجحون، وكيف يوظفون نجاحهم في الخير لصالح الوطن.
إن تنمية العقل دون تهذيب الضمير قد تُنتج إنسانًا ذكيًا، لكنها قد تُنتج أيضًا خطرًا كامنًا. أما حين يقترن العقل بالقيم، فإنه يصبح قوة بناء حقيقية تُسهم في استقرار المجتمع وتقدّمه.
لذلك، تقع مسؤولية كبرى على عاتق الأسرة والمؤسسات التعليمية في غرس منظومة قيمية راسخة لدى الأبناء، تشمل الصدق، والأمانة، والانتماء، والولاء للوطن، واحترام القانون، والتوازن النفسي، ومراعاة حقوق الآخرين. فهذه القيم ليست شعارات، بل هي الحصن الحقيقي الذي يحمي الأفراد والمجتمعات في مواجهة تعقيدات الحياة؛ حيث إن الخطر الحقيقي ليس فقط في إنتاج جيل فاشل، بل في إنتاج جيل ناجح بلا ضمير؛ لأن النجاح حين ينفصل عن القيم، لا يبني مجتمعًا، بل يهدمه بصمت من الداخل، قبل أن يتمكن منه الأعداء من الخارج .
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام