في ليالي الشتاء الصافية، وبين نجوم كوكبة الجبار اللامعة، يظهر نجم أحمر ضخم يلفت الأنظار بسهولة. إنّه «منكب الجوزاء»، أحد أكثر نجوم السماء إثارة للدهشة والغموض. فمنذ آلاف السنين، تأمله البشر بخوف وإعجاب، بينما لا يزال العلماء حتى اليوم يراقبونه بحذر شديد.
يبدو هذا النجم كأنه جمرة هائلة معلقة في الفضاء. لونه الأحمر المائل إلى البرتقالي يمنحه حضورًا مختلفًا عن بقية النجوم البيضاء والزرقاء المحيطة به. وحتى لمن لا يعرف شيئًا عن علم الفلك، يمكن ملاحظته بسهولة في السماء الشتوية فوق الأفق.
اقرأ المزيد
عملاق يفوق الخيال
لا يُعد «منكب الجوزاء» نجمًا عاديًا على الإطلاق. فهو واحد من أكبر النجوم المعروفة في مجرتنا. ولو وُضع مكان الشمس في مركز مجموعتنا الشمسية، لامتد حجمه إلى ما بعد مدار كوكب المشتري تقريبًا.
ورغم أنه يبعد عن الأرض مئات السنين الضوئية، فإن لمعانه الهائل يجعله من ألمع نجوم السماء ليلًا. لذلك ظل حاضرًا في قصص الشعوب القديمة وأساطيرها، خصوصًا بسبب لونه الأحمر الذي ارتبط قديمًا بالنار والحروب والظواهر الغامضة.
عندما خفت ضوء النجم العملاق
في أواخر عام 2019، لاحظ الفلكيون حول العالم شيئًا غريبًا. فقد بدأ «منكب الجوزاء» يفقد جزءًا كبيرًا من لمعانه بصورة غير معتادة. وخلال أسابيع قليلة، أصبح النجم أضعف بكثير مما اعتاده مراقبو السماء.
أثار ذلك الحدث موجة واسعة من التساؤلات. هل اقتربت نهاية النجم؟ وهل يمكن أن ينفجر قريبًا في صورة مستعر أعظم هائل؟
وسرعان ما انتشرت التوقعات المثيرة، لأن العلماء يعرفون أن هذا النوع من النجوم العملاقة ينتهي بالفعل بانفجار كوني ضخم يهز الفضاء المحيط به.
هل ينفجر يومًا ما؟
الإجابة القصيرة هي: نعم. لكن المشكلة أن كلمة «قريبًا» في علم الفلك قد تعني آلاف السنين.
يعتقد العلماء أن «منكب الجوزاء» يعيش بالفعل مراحله الأخيرة مقارنة بعمر النجوم الطويل. ومع مرور الزمن، سيستهلك وقوده الداخلي بالكامل، ثم ينهار قلبه فجأة قبل أن ينفجر في حدث مذهل يعرف باسم «السوبرنوفا» أو المستعر الأعظم.
وعندما يحدث ذلك يومًا ما، قد يصبح النجم شديد السطوع لدرجة أنه يُرى في وضح النهار لأسابيع أو أشهر.
السر الذي اكتشفه العلماء
بعد شهور من القلق والدراسة، توصّل العلماء إلى تفسير أكثر هدوءًا لظاهرة خفوت النجم الشهيرة. فقد أظهرت المراصد أن «منكب الجوزاء» أطلق سحابة هائلة من الغبار والغاز حجبت جزءًا من ضوئه عن الأرض.
وبدلًا من أن يكون الانفجار قد بدأ بالفعل، بدا الأمر وكأن العملاق الأحمر مرّ بعاصفة كونية ضخمة غطت جزءًا من سطحه.
ومع ذلك، لم تختفِ الحيرة تمامًا. فما زال هذا النجم العملاق مليئًا بالأسرار، وما زال العلماء يراقبونه باستمرار تحسبًا لأي تغيرات جديدة.
نجم يحمل رهبة الشتاء
ربما لهذا السبب بالتحديد ظل «منكب الجوزاء» مختلفًا عن بقية النجوم. فهو لا يبدو مجرد نقطة ضوء بعيدة، بل كأنه كائن كوني حي يتغير ويتنفس داخل ظلام الفضاء.
وفي كل شتاء، عندما يرفع الناس أعينهم نحو كوكبة الجبار، يعود ذلك العملاق الأحمر ليشعل الخيال من جديد، مذكرًا البشر بأن السماء ما تزال تخفي حكايات أكبر بكثير مما نتصور.
هانى سلام
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام