تشهد الفترة الحالية اهتمامًا متزايدًا بملف تصدير التعليم المصري. ويأتي ذلك في إطار رؤية تستهدف تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. ويُعد هذا التوجه من الطموحات الاستراتيجية المهمة، لأنه يعكس إدراكًا متناميًا للدور الذي يمكن أن يؤديه التعليم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز القوة الناعمة للدولة المصرية.
ومع ذلك، يطرح الحديث عن تصدير التعليم سؤالًا جوهريًا لا يقل أهمية عن الهدف نفسه، وهو: ماذا يعني تصدير التعليم؟ وما الذي يمكن لمصر أن تُصدّره في هذا المجال؟
فالتعليم ليس سلعة تقليدية يمكن إنتاجها وتداولها بالمعنى الاقتصادي المباشر. بل هو منظومة متكاملة تشمل الفلسفة التربوية، والمناهج الدراسية، وطرق التدريس، ونظم التقويم، والبحث العلمي، والثقافة المؤسسية، والقيم التي تسعى المؤسسات التعليمية إلى غرسها في الأجيال الجديدة. لذلك، فإن تصدير التعليم لا يتحقق بمجرد الرغبة فيه، بل يتطلب امتلاك تجربة تعليمية قادرة على جذب اهتمام الآخرين والاستفادة منها.
ولعل من المفيد في هذا السياق التأمل في إحدى التجارب التي اتجهت الدولة المصرية نفسها إلى الاستفادة منها خلال السنوات الأخيرة، وهي التجربة اليابانية في التعليم. فقد تبنت الدولة عددًا من الممارسات المستمدة من هذه التجربة، خاصة ما يتعلق ببناء الشخصية وتنمية القيم وتعزيز روح العمل الجماعي والانضباط والمسؤولية من خلال أنشطة التوكاتسو وغيرها من الممارسات التربوية.
وهنا يبرز تساؤل مهم: لماذا اتجهنا إلى دراسة التجربة اليابانية والاستفادة منها؟ ولماذا أصبحت هذه التجربة محل اهتمام العديد من الدول حول العالم؟
تكمن الإجابة في أن اليابان لم تنجح فقط في بناء نظام تعليمي فعال، بل نجحت أيضًا في تقديم نموذج تربوي متكامل أثبت قدرته على بناء الإنسان وإعداد المواطن القادر على المشاركة في التنمية. ونتيجة لذلك، اكتسبت التجربة اليابانية سمعة دولية جعلتها محل دراسة واقتباس في العديد من الدول.
ومن هذا المنطلق، فإن استيراد التجارب التعليمية الناجحة لا يُعد انتقاصًا من قدرات الدول. بل يمثل أحد أهم مظاهر التعلم المؤسسي والاستفادة من الخبرات الإنسانية المتراكمة. لكن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لنا اليوم هو: ما الذي يمكن أن يجعل التجربة التعليمية المصرية يومًا ما محل اهتمام الآخرين واستفادتهم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التفكير في المزايا النسبية التي يمكن أن تمتلكها مصر في المجال التعليمي. ويشمل ذلك إعداد المعلمين، وتطوير المناهج، وتصميم نظم التقويم، وتوظيف التكنولوجيا التعليمية، وبناء نماذج تعليمية فعالة تتناسب مع احتياجات المجتمعات العربية والأفريقية التي تتشابه في كثير من تحدياتها التنموية والتعليمية.
ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى مفهوم تصدير التعليم من منظور مختلف. فهو لا يقتصر على تصدير الخبرات والنماذج التربوية، بل يمتد أيضًا إلى استقطاب الطلاب من مختلف دول العالم للدراسة في المؤسسات التعليمية المصرية.
ومع التوسع في الجامعات الأهلية والدولية، وإتاحة برامج أكاديمية حديثة في تخصصات ترتبط باحتياجات سوق العمل الإقليمي والعالمي، تبرز فرصة حقيقية لتحويل مصر إلى وجهة تعليمية جاذبة للطلاب الوافدين.
وفي هذه الحالة، يصبح التعليم قطاعًا اقتصاديًا منتجًا. كما يساهم في جذب العملة الأجنبية، ويدعم موارد المؤسسات التعليمية، ويوفر فرص عمل جديدة، ويعزز المكانة العلمية والثقافية للدولة. بالإضافة إلى ذلك، فإن استقطاب الطلاب الدوليين يخلق بيئة أكاديمية أكثر تنوعًا، ويسهم في بناء جسور من التواصل العلمي والثقافي بين مصر ومختلف دول العالم.
غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توفير مجموعة من الشروط الأساسية. وفي مقدمتها جودة البرامج التعليمية، والاعتماد الأكاديمي، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، وارتباط التخصصات المطروحة بالمتغيرات المتسارعة في سوق العمل العالمي. كما يتطلب توفير بيئة جامعية جاذبة تضمن للطالب تجربة تعليمية وإنسانية متميزة.
ولعل التجارب الدولية تقدم لنا نماذج جديرة بالتأمل في هذا المجال. فقد استطاعت دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وفنلندا أن تجعل من التعليم أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما نجحت في توظيف الاستثمار في رأس المال البشري بوصفه أساسًا للتنافسية والابتكار والنمو المستدام.
ولم تنظر هذه الدول إلى التعليم باعتباره مجرد خدمة اجتماعية تستهلك الموارد العامة. بل تعاملت معه باعتباره استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى قادرًا على إنتاج المعرفة والثروة في آن واحد.
ومن هنا يبرز تحول جوهري في الفكر التنموي المعاصر. فبدلًا من أن يكون التعليم تابعًا للسياسات الاقتصادية ومتأثرًا بقيودها، أصبح في كثير من التجارب الناجحة أحد العوامل الرئيسة في تشكيل مستقبل الاقتصاد ذاته.
فالتعليم الجيد لا يكتفي بإعداد أفراد لسوق العمل. بل يسهم أيضًا في إعادة تشكيل هذا السوق، وخلق فرص جديدة للنمو، وجذب الاستثمارات، وإطلاق الطاقات الإبداعية للمجتمع.
ولذلك، فإن الحديث عن تصدير التعليم المصري لا ينبغي أن يقتصر على زيادة أعداد الطلاب الوافدين أو التوسع في المؤسسات التعليمية، على أهمية ذلك كله. وإنما يجب أن يمتد إلى بناء نموذج تعليمي وطني يمتلك من الجودة والتميز ما يجعله مصدر إلهام واهتمام للآخرين.
فالدول لا تُصدّر التعليم لأنها قررت ذلك. بل تُصدّره عندما تمتلك تجربة يسعى الآخرون إلى التعلم منها والاستفادة بها. وعندما تنجح أي دولة في بناء هذه التجربة، يصبح تصدير التعليم نتيجة طبيعية للتميز، وليس مجرد هدف معلن أو طموح مستقبلي.
إن الطريق الحقيقي إلى تصدير التعليم يبدأ من داخل المدرسة والجامعة. ويبدأ أيضًا من جودة المناهج والتدريس والتقويم والبحث العلمي، ومن القدرة على بناء إنسان قادر على التعلم والإبداع والمنافسة. وعندما يتحقق ذلك، يصبح التعليم ليس فقط أداة لبناء المجتمع، بل قوة دافعة لإعادة رسم مستقبل الاقتصاد والتنمية.
فحين تستثمر الدول في التعليم بوصفه محركًا للتنمية، يصبح الاقتصاد أحد مخرجات التعليم، لا أن يصبح التعليم مجرد تابع لاعتبارات الاقتصاد.
أ.د. أسامة ماهر حسين
أستاذ بالمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي – القاهرة
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام
مقال رائع ومفيد، يحمل أفكارًا تستحق التأمل
كل التقدير لكاتب المقال على هذا الطرح المميز