في عالم التكنولوجيا، توجد أفكار تبدو بسيطة على الورق، لكنها تتحول إلى تحديات هائلة عندما يحاول العلماء تنفيذها عمليًا. ومن بين هذه التحديات حلم ظل يراود الباحثين لأكثر من عشرين عامًا: وضع ليزر فائق السرعة داخل شريحة صغيرة يمكن استخدامها في الأجهزة المستقبلية.
واليوم، أعلن فريق بحثي عن تحقيق خطوة مهمة في هذا الاتجاه، بعد نجاحه في دمج ليزر فمتوثانية داخل شريحة متكاملة بحجم صغير. ويعد هذا الإنجاز واحدًا من أكثر التطورات إثارة في مجال الفوتونيات المتكاملة خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن الخبر يبدو تقنيًا للوهلة الأولى، فإن تأثيره المحتمل قد يمتد إلى مجالات عديدة تشمل الاتصالات والذكاء الاصطناعي والطب والحوسبة المتقدمة.
اقرأ المزيد
ما الذي يجعل هذا الإنجاز مهمًا؟
تعتمد معظم الأجهزة الإلكترونية الحالية على حركة الإلكترونات لنقل المعلومات ومعالجتها. لكن الضوء يتمتع بميزة مهمة، وهي قدرته على نقل كميات هائلة من البيانات بسرعات مذهلة.
ولهذا يحاول العلماء منذ سنوات استغلال الضوء داخل الشرائح الإلكترونية بدلاً من الاعتماد الكامل على الإلكترونات.
غير أن تصغير أنظمة الليزر المتقدمة ودمجها داخل شرائح صغيرة كان يمثل عقبة كبيرة أمام هذا الحلم.
لماذا استغرق الأمر أكثر من 20 عامًا؟
تحتاج الليزرات فائقة السرعة إلى درجة عالية من الدقة والاستقرار أثناء التشغيل. كما تتطلب مكونات متخصصة يصعب دمجها داخل مساحة صغيرة للغاية.
ولهذا واجه الباحثون تحديات تقنية عديدة تتعلق بالتصميم والتصنيع والتحكم في الضوء داخل الشريحة نفسها.
لكن التطورات الحديثة في تقنيات التصنيع النانوي ساعدت العلماء على تجاوز جزء كبير من هذه العقبات.
ما هو ليزر الفمتوثانية؟
يطلق هذا النوع من الليزر نبضات قصيرة بشكل مذهل. وتقاس هذه النبضات بوحدة الفمتوثانية، وهي جزء صغير للغاية من الثانية.
وللمقارنة، فإن الفمتوثانية الواحدة أقصر من الثانية بملايين المليارات من المرات.
وتسمح هذه النبضات فائقة السرعة بإجراء قياسات وتجارب دقيقة للغاية في مجالات متعددة.
كيف يمكن أن يؤثر ذلك في حياتنا؟
قد تساعد هذه التقنية مستقبلًا على تطوير أنظمة اتصالات أسرع وأكثر كفاءة.
كما يمكن أن تساهم في تحسين أداء مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وعلاوة على ذلك، قد تجد هذه الليزرات المصغرة تطبيقات مهمة في الأجهزة الطبية وأدوات القياس الدقيقة.
هل نحن أمام جيل جديد من الشرائح؟
لا يعني هذا الإنجاز أن الأجهزة الحالية ستتغير فورًا. ومع ذلك، يرى الباحثون أنه يمثل خطوة أساسية نحو تطوير شرائح تعتمد على الضوء بصورة أكبر من أي وقت مضى.
وإذا استمرت هذه التقنيات في التقدم، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة ظهور أجهزة أسرع وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
بداية مرحلة جديدة
يصف بعض الباحثين هذا الإنجاز بأنه خطوة طال انتظارها في عالم الفوتونيات المتكاملة.
فبعد أكثر من عقدين من المحاولات، أصبح ما كان يبدو مستحيلًا أقرب إلى الواقع. وربما يكون هذا التطور بداية مرحلة جديدة تستخدم فيها الشرائح الإلكترونية الضوء بطرق لم تكن ممكنة من قبل.
هانى سلام
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام