التعليم الفني المصري… من التبعية إلى المنافسة (1)

التعليم الفني المصري… من التبعية إلى المنافسة (1)

المقال الأول: هل نُعلّم الطالب المهنة… أم نُدرّبه على ماكينة؟

إعداد
أ.د أسامة ماهر حسين – المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي

التعاون الدولي في التعليم الفني.. فرصة أم بداية لاعتماد جديد؟

في كل مرة نسمع فيها عن توقيع بروتوكول جديد للتعاون في مجال التعليم الفني

مع دولة متقدمة، نستقبل الخبر بحفاوة، وهذا أمر مفهوم وطبيعي.

فمن لا يريد أن يرى مدارسنا الفنية وقد أصبحت أكثر تطورًا؟

ومن لا يريد أن يتدرب أبناؤنا على أحدث التقنيات؟

ومن لا يريد أن تستفيد مصر من خبرات دول قطعت شوطًا طويلًا في الصناعة والتكنولوجيا والتعليم الفني؟

لكن وسط هذا الاحتفاء المشروع، هناك سؤال أعتقد أنه يستحق أن نطرحه بصوت مرتفع… وربما بصوت أعلى مما اعتدنا:

ماذا يحدث في اليوم التالي لانتهاء البروتوكول؟

هل نكون قد امتلكنا معرفة جديدة نستطيع تطويرها والبناء عليها؟

أم نكون قد امتلكنا مجموعة من المعدات التي تدرب عليها طلابنا، ثم أصبحنا بعد سنوات في حاجة إلى نفس الدولة أو الشركة عندما تتغير التكنولوجيا أو تتعطل الماكينات؟

هل نكون قد بنينا فنيًا مصريًا قادرًا على التعامل مع التكنولوجيا؟

أم نكون قد دربنا طالبًا مصريًا على تكنولوجيا بعينها… وماكينة بعينها… وبراند بعينه؟

هنا تحديدًا تبدأ القصة التي أعتقد أنها تستحق أن نفتح حولها نقاشًا وطنيًا واسعًا.

لأن القضية ليست قضية ماكينة.

وليست قضية بروتوكول.

وليست قضية دولة أجنبية نتعاون معها.

القضية في جوهرها هي: أي نوع من الفنيين نريد أن نصنع؟

هل نريد فنيًا يستطيع أن يعمل في مصنع واحد، على نوع واحد من الماكينات، مرتبطة بدولة أو شركة بعينها؟

أم نريد فنيًا إذا انتقل غدًا من مصنع إلى آخر، أو من ماكينة يابانية إلى ألمانية، أو من إيطالية إلى صينية، يستطيع أن يقف أمامها ويفهمها ويتعامل معها ويكتشف أعطالها ويصونها؟

هذا السؤال، في تقديري، ليس ترفًا فكريًا.

بل هو سؤال يتعلق بمستقبل التعليم الفني المصري كله.

هل نُعلّم الطالب المهنة… أم نُدرّبه على ماكينة؟

ومن هنا أطرح السؤال الذي قد يبدو صادمًا، لكنه في رأيي يستحق أن نواجهه بشجاعة:

هل نحن نُعلّم الطالب المهنة… أم نُدرّبه على ماكينة؟

أنا لست ضد التعاون مع اليابان أو ألمانيا أو إيطاليا أو الصين أو غيرها من الدول التي تمتلك خبرات متقدمة في التعليم الفني والصناعة والتكنولوجيا. بل على العكس، أرى أن الانفتاح على تجارب العالم والاستفادة من خبراته أمر ضروري، وأن مصر في حاجة حقيقية إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا وتطوير منظومة التعليم الفني.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعاون الدولي من وسيلة لنقل المعرفة وبناء القدرات إلى وسيلة تجعل الطالب المصري مرتبطًا بتكنولوجيا أو معدات أو نماذج إنتاجية تخص الجهة الشريكة وحدها.

هنا يجب أن نتوقف قليلًا.

لأن التعليم الفني الذي يبني المستقبل لا ينبغي أن يعلّم الطالب كيف يتعامل مع ماكينة بعينها فقط، وإنما يجب أن يعلّمه كيف يفهم التكنولوجيا التي تقف وراء هذه الماكينة.

الفني المحترف لا يرتبط بماكينة واحدة

إذا تعلم الطالب تشغيل ماكينة يابانية، ثم وجد نفسه بعد التخرج أمام ماكينة ألمانية أو إيطالية أو صينية، فهل يستطيع أن يفهمها ويتعامل معها ويكتشف أعطالها ويقوم بصيانتها؟

إذا كانت الإجابة لا، فمعنى ذلك أننا لم نُخرج فنيًا محترفًا، وإنما أخرجنا شخصًا يجيد التعامل مع منتج تكنولوجي محدد.

وهنا تكمن الخطورة.

الفني الحقيقي لا ينبغي أن يكون أسيرًا لاسم الشركة المصنعة.

الفني المحترف

هو الذي يفهم المبدأ، ويمتلك المهارة، ويعرف كيف يقرأ التكنولوجيا، ويحل المشكلة، ويشخّص العطل، ويتكيف مع اختلاف التصميمات والموديلات ومصادر التصنيع.

نحن لا نريد فنيًا يقول:

“أنا تدربت على ماكينة يابانية ولا أعرف التعامل مع الألمانية.”

بل نريد فنيًا يقول:

“أنا أفهم هذه التكنولوجيا… وأستطيع التعامل مع أي ماكينة تعمل وفق هذا المبدأ.”

الفرق بين التدريب على الماكينة والتعليم من خلالها

وهذا هو الفارق بين التدريب على الماكينة والتعليم من خلال الماكينة.

الأول: ينتج عاملًا مرتبطًا بمعدة محددة.

أما الثاني: فينتج فنيًا قادرًا على التعلم والتكيف والتطور.

ماذا تعلمنا من تجارب التعليم الفني السابقة؟

ولعل هذه القضية تستحق منا مراجعة جادة لتجاربنا السابقة في التعليم الفني والتعاون الدولي، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم.

لقد دخلنا في تجارب متعددة، وتعاونّا مع دول مختلفة، واستوردنا نماذج وتجهيزات ومناهج، وشهدنا مشروعات طموحة، وكان من بينها مشروع “مبارك كول” الذي عُوّل عليه كثيرًا في تطوير التعليم الفني وربطه بسوق العمل.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: هل نجح المشروع أم فشل؟

بل السؤال الأهم:

ماذا تعلمنا من التجربة؟

وهل قمنا بتحليل التجارب السابقة بما يكفي حتى لا نعيد إنتاج الأخطاء نفسها بأسماء جديدة وشراكات جديدة؟

إن المشكلة ليست في أن نتعاون مع الخارج.

المشكلة في أن نكرر النموذج نفسه:

نستورد التكنولوجيا… نستورد المعدات… نستورد الخبرة… ثم نكتشف بعد سنوات أننا لم نبنِ بالقدر الكافي قدرتنا الذاتية على التطوير والتكيف والإنتاج.

كيف نقيس نجاح بروتوكولات التعاون الدولي؟

ولذلك، فإنني أرى أن أي بروتوكول تعاون دولي جديد في مجال التعليم الفني يجب أن يُقاس بسؤال واحد أساسي:

ماذا سيبقى لدينا بعد انتهاء البروتوكول؟

هل ستبقى لدينا كوادر قادرة على تطوير المناهج؟

هل ستبقى لدينا خبرات مصرية قادرة على تدريب المدربين؟

هل ستبقى لدينا قدرة على صيانة وتطوير المعدات؟

هل ستبقى لدينا معرفة حقيقية بالتكنولوجيا يمكن نقلها إلى أجيال جديدة؟

هل سيستطيع خريجنا العمل على أكثر من نوع من المعدات؟

هل يمكنه الانتقال من شركة إلى أخرى ومن مصنع إلى آخر دون أن يبدأ من الصفر؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام تعاون حقيقي.

أما إذا كان كل ما سيبقى لدينا هو مجموعة من الماكينات المستوردة، وطلاب تم تدريبهم على تشغيلها، ثم انتهى البروتوكول… فعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق:

هل نقلنا المعرفة فعلًا… أم نقلنا الاعتماد؟

بناء نموذج مصري للتعليم الفني

أنا أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة تعريف فلسفة التعاون الدولي في التعليم الفني.

نحن بحاجة إلى أن نتعلم من اليابان وألمانيا وإيطاليا والصين وغيرها، ولكن ليس لكي نصبح نسخة من أي دولة منها.

نحن بحاجة إلى أن نتعلم منهم كيف يفكرون في التعليم الفني، وكيف يربطون التعليم بالصناعة، وكيف يبنون منظومات المهارات، وكيف يطورون التكنولوجيا، وكيف يجعلون الفني قادرًا على التعلم المستمر.

ثم نأخذ ما يناسب واقعنا واحتياجاتنا، ونبني نموذجنا المصري.

من الماكينة إلى فهم التكنولوجيا

وعندما نُدخل ماكينة يابانية إلى مدرسة، يجب ألا يكون الهدف فقط أن يتعلم الطالب تشغيلها.

بل يجب أن يتعلم:

  • كيف تعمل؟
  • لماذا صُممت بهذه الطريقة؟
  • ما الفرق بينها وبين مثيلاتها الألمانية والإيطالية والصينية؟
  • ما أوجه القوة والضعف في كل منها؟
  • كيف يتم تشخيص الأعطال؟
  • كيف تتم الصيانة؟
  • كيف يمكن تطويرها؟
  • وكيف يمكن أن ينتقل من التعامل معها إلى التعامل مع غيرها؟

هنا فقط يتحول الجهاز من مجرد ماكينة إلى أداة للتعلم.

وهنا يتحول التعليم الفني من تدريب ضيق إلى تعليم تكنولوجي حقيقي.

الاستثمار الحقيقي في عقل الفني

ولذلك، فإنني أعتقد أن رسالتنا القادمة يجب ألا تكون:

“نريد أن نمتلك أحدث الماكينات.”

بل:

“نريد أن نمتلك أفضل فني قادر على التعامل مع أحدث الماكينات… مهما كان مصدرها.”

هذه هي النقطة الفارقة.

فالعالم يتغير بسرعة هائلة، والتكنولوجيا تتغير أسرع من قدرة المناهج على اللحاق بها. وماكينة اليوم قد تصبح قديمة بعد سنوات قليلة.

لكن المهارة الأساسية، والقدرة على التفكير الفني، وحل المشكلات، وفهم التكنولوجيا، والتعلم المستمر… هي التي تبقى.

ولذلك، فإن الاستثمار الحقيقي في التعليم الفني ليس في عدد الماكينات الموجودة داخل الورش فقط.

الاستثمار الحقيقي هو في عقل الفني الذي يقف أمام الماكينة.

من التبعية إلى المنافسة.. مستقبل التعليم الفني المصري

ومن هنا، فإنني أدعو المسؤولين عن التعليم الفني في مصر إلى مراجعة فلسفة البروتوكولات الدولية، ليس بهدف تقليل التعاون مع العالم، وإنما بهدف تعظيم العائد منه.

نريد بروتوكولات تنقل لنا المعرفة قبل المعدات، والخبرة قبل التكنولوجيا، والقدرة على التطوير قبل القدرة على التشغيل.

نريد شراكات تجعل مصر أكثر استقلالًا وقدرة، لا أكثر ارتباطًا بنموذج أو منتج أو دولة.

نريد أن يتخرج الطالب وهو قادر على أن يقول:

“أنا لا أعرف هذه الماكينة فقط… أنا أعرف كيف أفهم أي ماكينة.”

لأن هذا هو الفني الذي يحتاجه مصنع المستقبل.

وهذا هو الفني الذي يستطيع أن يعمل في مصر أو اليابان أو ألمانيا أو إيطاليا أو أي مكان في العالم.

وهذا هو الفني الذي يمكن أن يتحول من مجرد طالب في مدرسة فنية إلى قوة اقتصادية حقيقية لمصر.

ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نكرر تجربة الأمس، ثم ننتظر نتائج مختلفة.

لقد آن الأوان أن ننتقل من سؤال:

“أي دولة سنستورد منها نموذج التعليم الفني القادم؟”

إلى سؤال أكثر أهمية:

“متى سنمتلك نحن النموذج المصري الذي يأتي الآخرون ليتعلموا منه؟”

فالتعليم الفني الذي يستحق أن نبنيه ليس هو الذي يجعل خريجنا تابعًا لتكنولوجيا الآخرين…

بل الذي يجعل خريجنا قادرًا على فهم التكنولوجيا، وتطويرها، وإنتاجها، والتنافس بها.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للتحول من التبعية إلى المنافسة.

إلى اللقاء في الجزء الثاني:
متى نصنع “براند” التعليم الفني المصري؟

1

عن هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

شاهد أيضاً

طائر مغرد نادر يقف على غصن شجرة في غابة استوائية إندونيسية.

اكتشاف نوع جديد من الطيور ينهي جدلاً علمياً استمر 120 عاماً

كشفت دراسة حديثة أن طيوراً اعتبرت نوعاً واحداً لـ 120 عاماً هي في الواقع نوعان مختلفان، مما يصحح خطأ تصنيفياً استمر طويلاً في إندونيسيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أثبت أنك إنسان: 5   +   3   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.