كتبت: رودي نبيل
هناك فرق كبير بين أن نقول للمعلم: «نحن نقدر دورك»، وبين أن يشعر المعلم فعلًا بهذا التقدير قولًا وفعلًا، وأن يراه في راتبه وحوافزه ومستحقاته، وفي كل حق مالي أو معنوي ينتظره.
وعندما تتكرر الأسئلة حول المرتبات والمكافآت والعقود والتعيينات، فلا يجب أن يتحول الأمر إلى مجرد جدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يحتاج إلى مراجعة حقيقية ومنظومة واضحة للتعامل مع هذه الملفات.
أنا هنا لا أتحدث عن فئة واحدة أو شكوى منفردة، وإنما عن ملفات متشابكة تمس المعلمين والعاملين داخل المنظومة التعليمية
بشكل عام.
الحقوق تحتاج إلى وضوح وانتظام
الأمر نفسه ينطبق على المرتبات والحوافز والمكافآت. وزيادة القيمة التي أقرتها الوزارة خطوة جيدة تستحق الذكر، لأنها تعني تحريك المياه الراكدة، حتى وإن كانت بعض التفاصيل لا تقع مسؤوليتها على الوزارة وحدها.
لكن الأهم بالنسبة للمعلم أن يعرف قيمة ما سيصل إلى يده فعليًا، وأن تكون آلية الصرف واضحة، وموعدها محددًا ومنتظمًا، أو على الأقل معلومًا للجميع.
فالوضوح في الحقوق لا يقل أهمية عن قيمة الحق نفسه.
كل تأخير في الحقوق يصنع إحباطًا، وكل غموض يفتح بابًا للشائعات، وكل تفاوت غير مفهوم يضعف الثقة، بينما الوضوح والانتظام والعدالة تصنع انتماءً حقيقيًا.
كيف نحمي المعلم ونحافظ على التواصل مع الأسرة؟
وماذا عن اعتداء بعض أولياء الأمور على المعلمين، سواء باللفظ أو بغير ذلك؟
نعلم جميعًا أن الاعتداء مرفوض، وأن الإهانة بكل صورها أمر غير مقبول، لكن علينا أيضًا أن نتوقف أمام سؤال مهم: كيف يصل ولي الأمر إلى المعلم؟
أنا لا أدعو إلى منع التواصل بين المدرسة والمنزل، فهذا التواصل ضروري لمصلحة الطالب، ولكن لابد من وضع آليات واضحة داخل منظومة متكاملة تحدد: كيف يتم التواصل؟ ومن المسؤول عنه؟ ومتى يحدث؟
فالمطلوب ليس إغلاق الباب بين الأسرة والمدرسة، وإنما تنظيمه بما يحفظ حق ولي الأمر في التواصل، ويحافظ في الوقت نفسه على كرامة المعلم وأمانه.
ولابد من وضع ضوابط أكثر حسمًا لمنع أي شخص من تجاوز الحدود أو الإساءة إلى العاملين في المدرسة.
الأخصائيون جزء أساسي من المنظومة
وهنا أرى أهمية إعادة النظر في دور الأخصائيين داخل المدارس وتفعيله بصورة أكبر.
فالأخصائي الاجتماعي والنفسي ليسا عنصرين هامشيين داخل المدرسة، وإنما لهما دور مهم في فهم مشكلات الطلاب، وتوجيههم إلى المسار الصحيح، والتعامل مع بعض السلوكيات بصورة تربوية.
كما أن توجيه الطلاب إلى الأنشطة المناسبة لشخصية كل منهم يمكن أن يساعد على استثمار طاقاتهم بصورة إيجابية، بدلًا من تركها دون توجيه.
فالمنظومة التعليمية ليست معلمًا فقط.
هناك معلم، وأخصائي اجتماعي، وأخصائي نفسي، ومكتبة، وأنشطة، وإدارة مدرسية، وكل شخص داخل هذه المنظومة يؤدي دورًا في النهاية يصب في مصلحة الطالب.
كيف نعيد للمعلم مكانته؟
نحن نتحدث كل يوم عن أهمية المعلم ودوره في بناء الأجيال، لكن الواقع، بكل أسف، يجعل أصحاب الكسب السريع هم الأكثر حضورًا على القنوات والشاشات، وفي كثير من الأحيان يصبحون قدوة أمام أبنائنا.
وفي المقابل، يجد المعلم نفسه أحيانًا منشغلًا بالمطالبة بحقوقه ومستحقاته، رغم المكانة التي يفترض أن يحتلها في المجتمع ودوره الأساسي في بناء الإنسان.
والتقدير الحقيقي للمعلم لا يكون بالكلمات وحدها.
كرامة المعلم تبدأ من احترامه، وتمتد إلى احترام وقته وجهده وحقوقه ومستحقاته.
فإذا كنا نريد مدرسة مستقرة، ومعلمين أكثر انتماءً، وتعليمًا أكثر قوة وجودة، فلا بد من إعادة النظر في ملف المعلمين بصورة شاملة، والنظر إلى حقوقهم وبيئة عملهم ومكانتهم باعتبارها جزءًا أساسيًا من إصلاح التعليم.
وفي النهاية، هناك سؤال ربما يستحق أن نطرحه على أنفسنا:
كيف نريد من أبنائنا أن يقول أحدهم: «أريد أن أصبح معلمًا»، إذا كان يرى معلمه بالكاد يحصل على حقوقه؟
لا مشكلة في أن يحلم أبناؤنا بأن يصبحوا لاعبي كرة أو صناع محتوى، مع كامل الاحترام للجميع، لكن الحضارات لا تُبنى إلا بالعلم، والعلم لا يصل إلى الأجيال إلا من خلال معلم يحظى بالاحترام والتقدير ويشعر أن المجتمع يقدر رسالته.
فكرامة المعلم ليست شعارًا نردده.. وإنما حقوق واحترام ومكانة يجب أن يشعر بها المعلم في حياته اليومية.
كتبت: رودي نبيل

آخر فيديو
شاهد معنا في هذا الفيديو معركة البقاء الأكثر شراسة في البرية الإفريقية،