لم تعد الصناعات الأمنية والدفاعية في المنطقة العربية مجرد سوق تستقبل ما تنتجه المراكز الصناعية الكبرى في العالم. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت دول عربية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، في بناء قدرات تكنولوجية وصناعية أكثر تقدمًا، وأصبحت شركات مثل EDGE جزءًا من مشهد يتجاوز الاستيراد إلى التطوير والتصنيع والتوسع في أسواق خارجية.
لكن هذا التحول يفتح سؤالًا أهم من حجم العقود أو عدد الأنظمة التي يمكن تصديرها: هل تنجح التكنولوجيا الأمنية بالطريقة نفسها عندما تغادر البيئة التي صُممت فيها وتدخل بيئة تشغيلية مختلفة؟
التكنولوجيا لا تعمل في فراغ
في الأمن، لا تكفي جودة النظام وحدها لضمان جودة النتيجة. يمكن لمنظومة مراقبة أو قيادة وسيطرة أو نظام غير مأهول أن يعمل بكفاءة عالية في الاختبارات الفنية، ثم يواجه تحديات مختلفة تمامًا عندما يدخل الخدمة الفعلية.
والسبب بسيط: التكنولوجيا لا تعمل في فراغ، بل داخل مؤسسة لها إجراءاتها، وأفرادها، وتسلسلها القيادي، ومستوى تدريبها، وثقافتها في التعامل مع المعلومات والمخاطر.
التكيّف التشغيلي.. الحلقة التي لا يمكن تجاهلها
وهنا يظهر مفهوم أراه ضروريًا عند الحديث عن مستقبل التكنولوجيا الأمنية العربية: التكيّف التشغيلي.
فالنظام الناجح ليس فقط النظام القادر على أداء الوظيفة التي صُمم من أجلها، وإنما النظام القادر على الاندماج داخل البيئة التي ستستخدمه، من دون أن يخلق فجوة جديدة بين الإنسان والتكنولوجيا.
وهذه المسألة مهمة بصورة خاصة في العالم العربي. فدول المنطقة تتشارك كثيرًا من التحديات الأمنية، لكنها لا تعمل بالضرورة ضمن الظروف نفسها.
طبيعة الحدود، والكثافة السكانية، والبنية التحتية، وتوزيع المنشآت الحيوية، ومستويات الأتمتة، وأساليب القيادة والسيطرة، وحتى طبيعة المخاطر اليومية، تختلف من دولة إلى أخرى.
ولذلك فإن نقل منظومة أمنية ناجحة من دولة عربية إلى أخرى لا ينبغي أن يعني نسخ طريقة تشغيلها حرفيًا.
مصر.. بيئة تشغيلية متعددة التحديات
مصر تقدم مثالًا واضحًا على حجم هذا التحدي.
نحن نتحدث عن دولة ذات مساحة واسعة، وكثافة سكانية كبيرة، ومدن وموانئ ومطارات وشبكات نقل ومنشآت حيوية تعمل ضمن مستويات مختلفة من الضغط والتعقيد.
أي تقنية أمنية تدخل مثل هذه البيئة تحتاج إلى فهم السياق قبل محاولة تغييره.
السؤال الأول لا ينبغي أن يكون: ماذا يستطيع النظام أن يفعل؟ بل: كيف سيعمل هذا النظام داخل المؤسسة الموجودة بالفعل؟
نقل التكنولوجيا يبدأ من المعرفة التشغيلية
وهذا يغير مفهوم نقل التكنولوجيا نفسه.
فالنقل الحقيقي لا يحدث عندما تصل المعدات، وإنما عندما تنتقل معها المعرفة التشغيلية.
يجب أن يعرف المستخدم لماذا يتلقى التنبيه، ومتى يثق به، ومتى يتحقق منه، ومتى يصعّد المعلومة، ومن يملك سلطة اتخاذ القرار بعدها.
وإذا كانت المنظومة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية، لأن سرعة التحليل قد تعطي انطباعًا بأن الآلة أزالت الحاجة إلى الحكم البشري، بينما الواقع أن السرعة تجعل جودة الحكم البشري أكثر حساسية.
عندما تزداد التنبيهات.. تظهر الفجوة بين الإنسان والآلة
تخيل غرفة عمليات تستقبل مئات التنبيهات يوميًا.
إضافة نظام أكثر ذكاءً قد تقلل بعضها، لكنها قد تخلق نوعًا آخر من المخاطر إذا لم يفهم المشغلون كيف يصنف النظام المعلومات، أو لماذا يعطي أولوية لحادث على آخر.
المشكلة هنا ليست في الخوارزمية وحدها ولا في المشغل وحده، وإنما في المسافة بين الاثنين.
وكلما ازدادت الأنظمة استقلالية، أصبحت إدارة هذه المسافة جزءًا من الأمن نفسه.
من بيع التكنولوجيا إلى بناء القدرة
لهذا لا أرى أن مستقبل الصناعات الأمنية العربية سيُقاس فقط بقدرتها على إنتاج تكنولوجيا منافسة عالميًا.
الاختبار الأصعب سيكون قدرتها على بناء منظومات تستطيع التكيف مع المستخدم والبيئة والمهمة.
الشركة التي تفهم هذا التحول لن تبيع جهازًا أو برنامجًا فحسب، بل ستحتاج إلى التفكير في التدريب، والإجراءات، والتكامل مع الأنظمة القائمة، والصيانة، والتحديث، وحتى في كيفية تصرف المؤسسة عندما تفشل التكنولوجيا أو تصبح المعلومات التي تقدمها غير مكتملة.
مصر والإمارات.. فرصة لبناء معرفة مشتركة
وهنا توجد فرصة مهمة للتعاون العربي.
مصر والإمارات، على سبيل المثال، لا تحتاجان إلى أن تكون تجربتهما الأمنية متطابقة حتى تستفيدا من بعضهما.
العكس قد يكون أكثر قيمة.
اختلاف الحجم والبيئة التشغيلية ونوعية المنشآت يسمح باختبار الأفكار والتقنيات في سياقات متنوعة، وهذا النوع من الخبرة يصنع معرفة لا يمكن الحصول عليها داخل المختبرات وحدها.
من شراء التكنولوجيا إلى بناء المعرفة
كما أن هذا التعاون يمكن أن ينقل العلاقة من شراء التكنولوجيا إلى بناء المعرفة حولها.
عندما يشارك المشغلون والمهندسون والمتخصصون في المخاطر وغرف العمليات في تقييم النظام منذ المراحل المبكرة، تظهر أسئلة قد لا يراها المصمم التقني وحده:
ماذا يحدث عند انقطاع الاتصال؟ كيف يعمل النظام أثناء أزمة متزامنة؟ من يستطيع تجاوز توصيته؟ هل يحتفظ المشغل بمهاراته إذا اعتمد على الأتمتة سنوات طويلة؟ وكيف نتأكد من أن القرار النهائي لا يزال مفهومًا ويمكن تفسيره ومراجعته؟
هذه ليست أسئلة جانبية، بل هي ما سيحدد الفارق بين امتلاك التكنولوجيا وامتلاك القدرة.
ويمكن لدولة أن تشتري أحدث نظام في العالم من دون أن تكتسب القدرة التي يفترض أن يوفرها، إذا لم تتغير معها المعرفة والإجراءات والتدريب.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد دخول التكنولوجيا الخدمة
لقد دخلت الصناعات الأمنية والدفاعية العربية مرحلة جديدة، ونجاح شركات إقليمية في الوصول إلى أسواق خارج حدودها مؤشر مهم على هذا التحول.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى معيار أكثر نضجًا من عدد العقود وحجم الصادرات.
علينا أن نسأل ماذا حدث بعد دخول التكنولوجيا إلى الخدمة:
هل اندمجت؟ هل حسّنت القرار؟ هل أصبح المشغل أكثر قدرة أم أكثر اعتمادًا؟ وهل استطاعت المنظومة أن تتعلم من البيئة الجديدة بدل أن تطلب من البيئة أن تتكيف معها؟
عندما تعبر التكنولوجيا الحدود يبدأ الاختبار الحقيقي
عندما تعبر التكنولوجيا الأمنية الحدود، لا ينتهي الاختبار عند الجمارك، بل يبدأ هناك.
والقوة الحقيقية للصناعة الأمنية العربية لن تظهر فقط عندما تستطيع أن تصنع ما يحتاجه الآخرون، وإنما عندما تستطيع أن تفهم كيف سيستخدمه الآخرون، وتتكيف معهم، وتحوّل التكنولوجيا من منتج يتم تسليمه إلى قدرة تستمر بعد التسليم.
كتب: عبدالله سعيد الحبسي
كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات.

آخر فيديو
استرجع معنا ذكريات لحظة انطلاق العقول المبدعة في المؤتمر الأول للنوادي الاستكشافية