عبدالله سعيد الحبسي (A.S. Alhebsi)
كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات
حين افتُتح في أبوظبي مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، لم يكن الحدث مجرد اجتماع دولي جديد في روزنامة المؤتمرات. فالمؤتمر الذي يستمر من 26 سبتمبر إلى الأول من أكتوبر ويجمع نحو خمسة آلاف مشارك من أكثر من 97 دولة يناقش قضايا ستسهم في تشكيل أولويات منع الجريمة والعدالة الجنائية للسنوات الخمس المقبلة، وفي مقدمتها التعاون الدولي والابتكار والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
لكن السؤال الذي يستحق أن يخرج من قاعات المؤتمر إلى المؤسسات هو: هل ما زلنا نبني أنظمة العدالة والأمن على منطق الاستجابة بعد وقوع الجريمة، بينما أصبحت الأدوات المتاحة قادرة على التقاط الإشارات قبل أن تتحول إلى حادث كامل؟
الاستباق لا يعني التنبؤ بالإنسان
الاستباق لا يعني التنبؤ بالإنسان ولا افتراض الذنب قبل وقوع الفعل. هذه نقطة يجب أن تكون واضحة منذ البداية.
المقصود هو أن تتعلم المؤسسة كيف تلتقط المؤشرات الضعيفة، وتربط المعلومات المتفرقة، وتتحقق منها، ثم تنقلها إلى صاحب الصلاحية في الوقت المناسب. هنا تحديدًا تصبح عقلية غرفة العمليات مفيدة للعدالة.
عقلية غرفة العمليات في منظومة العدالة
غرفة العمليات الجيدة لا تتعامل مع كل إشارة باعتبارها أزمة، ولا تسمح للشاشة بأن تتخذ القرار.
وظيفتها أن تجمع الصورة، وتفصل بين المعلومة المؤكدة والاحتمال، وتحدد مستوى التصعيد، وتعرف من يملك القرار، ثم توثق ما حدث.
هذا المنطق يمكن نقله إلى منظومة منع الجريمة من دون أن تتحول العدالة إلى نظام مراقبة شامل.
الذكاء الاصطناعي وسرعة اكتشاف الأنماط
المشكلة في عصر الذكاء الاصطناعي أن سرعة اكتشاف الأنماط أصبحت أكبر من سرعة بعض المؤسسات في اتخاذ القرار.
قد يكتشف النظام علاقة بين معاملات مالية أو بلاغات أو تحركات متكررة في ثوانٍ، لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ من يتحقق؟ من يقرر أن المؤشر يستحق التصعيد؟ من يملك صلاحية التدخل؟ وماذا يحدث إذا تعارض تقدير الإنسان مع توصية الخوارزمية؟
«أمن القرار».. الحلقة التي تحمي مسار المعلومة
لهذا أرى أن العدالة تحتاج إلى ما أسميه «أمن القرار».
الأمن السيبراني يحمي البيانات والأنظمة، أما أمن القرار فيحمي المسار الذي تنتقل فيه المعلومة من الاكتشاف إلى التحقق ثم التفسير فالصلاحية وأخيرًا الإجراء.
كل حلقة في هذا المسار يمكن أن تكون نقطة قوة أو نقطة فشل.
المشكلة ليست دائمًا نقص المعلومات
والأمر لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها. الجريمة المنظمة والاحتيال والجرائم السيبرانية تتجاوز حدود المؤسسة والدولة.
قد توجد المعلومة في جهة، والصلاحية في جهة ثانية، والقدرة الفنية في جهة ثالثة. عندها لا تكون المشكلة نقص المعلومات بل فجوة التنسيق.
وكل دقيقة تضيع في معرفة «من المسؤول الآن؟» قد تمنح الطرف الآخر وقتًا إضافيًا.
من المبادئ إلى إجراءات قابلة للاختبار
يمكن لمؤتمر أبوظبي أن يدفع النقاش الدولي خطوة إلى الأمام إذا تحولت مبادئ التعاون والابتكار إلى إجراءات تشغيلية قابلة للاختبار.
المطلوب تمارين مشتركة، ومسارات تصعيد واضحة، وقواعد لمراجعة القرارات الآلية، وقدرة على إيقاف أي مسار تقني عندما تتغير الظروف أو تظهر معلومات جديدة.
التكنولوجيا لا تحل محل المسؤولية الإنسانية والقانونية
في المقابل، يجب أن تبقى الحدود القانونية والإنسانية حاضرة.
النظام الذي يتنبأ بالمخاطر لا يملك حق تحويل الاحتمال إلى إدانة. والآلة التي تساعد في ترتيب الأولويات لا ينبغي أن ترث سلطة القاضي أو المحقق أو صاحب القرار.
التقنية تستطيع أن توسع الرؤية، لكنها لا تستطيع أن تحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية بدل الإنسان.
من منع الجريمة إلى استباقها
التحول الحقيقي من منع الجريمة إلى استباقها ليس سباقًا لشراء أنظمة أكثر ذكاءً.
إنه إعادة تصميم لطريقة انتقال المعلومة والسلطة داخل المؤسسة وبين المؤسسات.
والعدالة التي ترى الخطر مبكرًا، وتتحقق منه بسرعة، وتتصرف ضمن القانون، وتستطيع تفسير قرارها بعد ذلك، ستكون أكثر قوة من عدالة تعتمد على السرعة وحدها.
غرفة العمليات لا تمنع الحادث لأنها تملك شاشات كثيرة، بل لأنها تعرف ماذا تفعل عندما تظهر الإشارة الصحيحة.
وهذه، في رأيي، هي الفكرة التي تحتاجها العدالة في عصر الذكاء الاصطناعي.
عبدالله سعيد الحبسي
كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات.

آخر فيديو
استعرض معنا في هذا الفيديو الإبداع الفني الخالص من خلال عرض أعمال