عاجل

من يقيس الماء قبل أن نطالب بالمزيد منه؟

عبدالله سعيد الحبسي

كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات

يقال الكثير عن البحث عن مصادر جديدة للماء، بينما لا يحظى سؤال أبسط بالاهتمام نفسه: هل نقيس ما لدينا بالدقة الكافية؟ بالنسبة إلى مصر، حيث يرتبط الماء بالغذاء وحياة الريف ومستقبل المدن، لا تحتمل الإدارة الجيدة الخلط بين التمني والمعلومة.

أعلنت وكالة أنباء الإمارات في 9 أكتوبر 2026 مشاركة برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار في المعرض العالمي لتكنولوجيا الأرصاد والمؤتمر التقني للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية في أمستردام بين 5 و8 أكتوبر. وشملت المناقشات الرادارات والاستشعار عن بُعد والتنبؤات والنمذجة الهيدرولوجية والتعاون العلمي. وهذه مشاركة بحثية موثقة، وليست إعلانًا عن تقنية قادرة على إنهاء شح المياه.

تقدم الإمارات مثالًا على استثمارها في علوم الرصد والاستمطار، بينما تمتلك مصر خبرات طويلة في إدارة الري وشبكاته. ويمكن للبلدين أن يستفيدا من تبادل الخبرات في نمذجة الهطول وتقدير احتياجات المياه وتدريب الباحثين، من دون الادعاء أن استمطار السحب يصلح بديلًا لسياسات إدارة الموارد.

برأيي تحتاج المؤسسات إلى نشر بيانات قابلة للفهم عن كفاءة الاستخدام والفاقد ومدى دقة التوقعات، مع ربط الجامعات بجهات المياه والزراعة. ويمثل تدريب المهندسين على التعامل مع الشك في التنبؤ أكثر قيمة من إطلاق أرقام متفائلة بلا سياق.

العلم الذي يخبرنا بحدوده بوضوح يخدم المزارع والأسرة أكثر من وعد مطلق لا يمكن اختباره.

في مصر، لا يصح أن يصبح النقاش عن تقنيات زيادة الأمطار بديلًا عن السؤال الأصعب: كيف نستخدم كل متر مكعب يصل بالفعل إلى البيوت والحقول والمصانع؟ إدارة المياه هنا مرتبطة بالزراعة والعمل وأسعار الغذاء والخدمات اليومية. ولهذا فإن دقة القياس ليست شأنًا يخص الخبراء وحدهم؛ إنها شرط لحسن توزيع الموارد وحماية الثقة العامة.

قد تكون أدوات الاستشعار والنمذجة التي نوقشت في أمستردام مفيدة عندما تُسخَّر لرصد الفاقد وتقدير الاحتياجات ورؤية التغيرات قبل أن تتفاقم. ولكن وجود التكنولوجيا لا يعني أنها تقدم إجابة تلقائية. ينبغي أن نسأل عمّن يتحقق من البيانات، وكيف تُترجم إلى جدول تشغيل وصيانة، وكيف يُفسر القرار للمزارع الذي يُطلب منه تغيير أسلوب ري اعتاد عليه.

أعتقد أن باب التعاون بين مصر والإمارات في هذا المجال يمكن أن يبدأ بمشروعات صغيرة يمكن قياسها: مقارنة أدوات الرصد، وتجربة وسائل أفضل لإبلاغ أصحاب المصلحة، وتأهيل العاملين على قراءة النتائج. لا حاجة إلى إعلان إنجاز قبل إثباته، ولا مصلحة لأحد في بناء توقعات يصعب الوفاء بها.

ويمتد الجانب الإنساني إلى تفاوت القدرة على التكيف. فالمزارع الكبير قد يشتري أجهزة ويوظف خبراء، بينما يحتاج صاحب الحيازة الصغيرة إلى إرشاد واضح وخدمة يمكن الاعتماد عليها. ونجاح أي تقنية لا يقاس بصورتها في المؤتمر، بل بقدرتها على الوصول إلى هؤلاء دون تحميلهم كلفة لا يستطيعون تحملها.

ومن وجهة نظري فإن احترام العلم لا يعني المبالغة في قدرته. العلم الجيد يخبرنا بما عرفناه وما لم نعرفه بعد، ثم يساعدنا على اتخاذ قرار أفضل بما هو متاح. هذا هو الطريق الأجدى لمواجهة شح المياه.

المصدر الأساسي:
https://www.wam.ae/ar/article/c2nmpwf-الإمارات-لبحوث-علوم-الاستمطار-يشارك-بمعرض-ومؤتمر

هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 6   +   8   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة