عاجل

الهندسة الكمومية وتقنية الأتوثانية

الهندسة الكمومية وتقنية الأتوثانية: مستقبل واعد في علوم المواد يمهد الطريق للثورة الصناعية الخامسة

د/ صلاح حامد رمضان علي
أستاذ المترولوجيا وهندسة الدقة، شعبة مترولوجيا الأطول وهندسة الدقة، المعهد القومي للقياس والمعايرة

البحوث العلمية والاكتشافات عالية الدقة تلعب دوراً محورياً في التقدم العالمي، لا سيما في مجالات المترولوجيا الهندسية وتكنولوجيا المواد، مما سوف يؤدي إلى قفزة نوعية في صناعة الإلكترونيات متناهية الصغر وفائقة الدقة. ينبع هذا التقدم، في المقام الأول، على الأسس العلمية التي أرساها العالم العربي الموسوعي “الحسن بن الهيثم” في علم البصريات خلال مطلع القرن الحادي عشر الميلادي. وُلد بن الهيثم في البصرة بالعراق عام 965 ميلادي، وعاش معظم حياته في مصر، وتوفي في القاهرة عام 1040 ميلادي). ثانياً، يستند هذا التقدم على أفكار وإنجازات العديد من الباحثين والمستكشفين والعلماء، لا سيما بعد صياغة الباحث جون دالتون (بريطاني الجنسية) للنظرية الذرية الحديثة عام 1803، التي أكد فيها أن المادة تتكون من دقائق أصغر تسمى الذرات. ونتيجة لتجارب الباحث الألماني ماكس بلانك عام 1901 حيث وضع حجر الأساس لـ ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics) ، بصياغته لقانون إشعاع الجسم الأسود واكتشافه “ثابت بلانك”، مبرهناً على أن الطاقة تُمتص وتُنبعث على شكل حزم منفصلة تُسمى “كمّات (Quanta)”.

ومع ظهور مفهوم الهندسة الكمومية (Quantum Geometry) كمفهوم حديث نسبي الذي ظهر في أواخر القرن العشرين، وتحديداً مع تطوير عده نظريات مثل الجاذبية الكمومية الحلقية (Loop Quantum Gravity) ونظرية الأوتار، حيث تهدف إلى وصف طبيعة الزمكان على مقاييس متناهية الصغر (مقياس بلانك) باعتباره يتكون من “وحدات أو حلقات منفصلة” وليس نسيجاً متصلاً. وعلى خطى العلماء والمستكشفين الجدد مثل: أندريه جيم (عالم هولندي من أصل روسي) وكونستانتين نوفوسيلوف (عالم بريطاني من أصل روسي) الذين اجروا تجارب رائدة أدت إلى اكتشاف الجرافين، وهي مادة تتكون من صفائح كربونية جديدة بسماكة ذرة كربون واحدة فقط، وهو إنجاز نالا عنه جائزة نوبل في الفيزياء عام 2010.

يتميز الجرافين ببنية داخلية فريدة وخصائص استثنائية، حيث أن قطر ذرة الكربون الحقيقي0.22 نانومتر تقريباً. وقد عزز هذا التقدم العالم المصري البروفيسور أحمد زويل، الذي اخترع مجهراً فائق السرعة باستخدام تقنية الفيمتو ثانية (الفيمتو ثانية؛ 10⁻¹⁵ ثانية). كل هذا مكّن العلماء من تصوير التفاعلات الكيميائية أثناء حدوثها على المستوى الذري – في نطاق زمني يُقاس بالفمتوثانية – وهو إنجازٌ حاز به البروفيسور زويل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 لريادة مجال جديد يفيد تطبيقات واسعة في الكيمياء والطب.

علاوة على ذلك، تم توضيح مفهوم التشابك الكمي، مما أهّل جون إف. كلاوزر (أمريكا)، وأنطون زيلينغر (النمسا)، وآلان أسبكت (فرنسا) لنيل جائزة نوبل في الفيزياء عام 2022 لإنجازاتهم في ميكانيكا الكم، والتي تم إثباتها من خلال تجارب على الفوتونات المتشابكة كميا. وقد أكدوا التناقض بين مفهوم “الواقعية المحلية” – الذي يُعدّ محوراً أساسياً في نظريات ألبرت أينشتاين – والمنظور الكمي؛ إذ تفترض الواقعية المحلية أن أي كمية قابلة للقياس تمتلك قيمة محددة.

بالإضافة إلى ذلك، مُنح بيير أغوستيني (فرنسا)، ومشرفه البروفيسور فيرينك كراوس (المجر/النمسا)، وآن لويلييه (فرنسا/السويد) جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2023 لتمكنهم من توليد نبضات ضوئية تُقاس بالأتوثانية (10⁻¹⁸ ثانية). وفي العام نفسه، مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لمونجي جي. باويندي (الولايات المتحدة/فرنسا، من أصل تونسي)، ولويس إي. بروس، وأليكسي إيكيموف لاكتشافهم وتصنيفهم النقاط الكمومية.

وقد تزامنت هذه التطورات مع تطور أنظمة الكاميرات، والمجاهر العلمية، ومفاهيم ميكانيكا الكم – وهي تطورات تُعرف مجتمعةً بالهندسة الكمومية. وهكذا، مهد تطور العلوم الطبيعية الطريق أمام الفيزياء الهندسية الحديثة للتقدم نحو الهندسة الكمومية للذرات.

علاوة على ذلك، تبلور مفهوم تحويل ليزرات الفيمتو ثانية إلى ليزرات الأتوثانية – أي تحويل الفوتونات المكونة لها إلى فوتونات عالية الطاقة وأصغر حجماً وأسرع بكثير – من خلال عملية تُعرف باسم توليد التوافقيات العالية (HHG)، والتي طورتها العالمة آن لويلييه عام 2024. يدمج هذا التطوير ضمن فيزياء هندسة الضوء وتقنيات الليزر وأنظمة التحليل الطيفي؛ ونظراً لأن تشغيل الليزر يعتمد على مبادئ فيزيائية مثل الانبعاث المحفز والإشعاع، فإنه يُعد أداة فعالة في العديد من التطبيقات.

ويؤدي الجمع بين هذه المعارف وتقنيات التحليل الطيفي إلى أنظمة قادرة على توفير بيانات دقيقة حول الخصائص الفيزيائية للمواد من خلال تحليل الضوء المنبعث منها أو الممتص فيها. تُستخدم هذه الأنظمة في مجالات متنوعة – بما في ذلك الكيمياء وعلوم البيئة والطب والهندسة – مما يُحسّن دقة القياس ويُعمّق فهم الخصائص الفيزيائية والكيميائية للمواد.

هذا وقد نجح البروفيسور الباحث محمد ثروت حسن (مصري الجنسية) وفريقه في جامعة أريزونا في تطوير ليزر قادر على إنتاج نبضات ضوئية فائقة السرعة. مكّنهم هذا من تتبع حركة الإلكترونات داخل المواد العازلة وتحويلها إلى مواد موصلة للكهرباء. يُمثل هذا الاكتشاف نقلة نوعية في مجال الإلكترونيات والاتصالات، إذ يمَكن من زيادة سرعات تشغيل الأجهزة الإلكترونية – مثل أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة – بمقدار 100 مليون ضعف.

منذ اربع سنوات، وبالتحديد في عام 2022، نجح الباحث حسن ثروت وزملاؤه في تطوير أسرع مجهر إلكتروني في العالم، قادر على رصد حركة الإلكترونات على نطاق زمني يصل إلى أتوثانية – أي جزء من مليار مليار جزء من الثانية. وقد تم إثبات هذه القدرة من خلال تصوير حركة الإلكترونات بين ذرات الكربون في طبقات الجرافين المتعددة بسرعات غير مسبوقة.

علاوة على ذلك، ستُتيح قدرات التصوير ثلاثي الأبعاد الفريدة للعلماء، التي يتمتع بها المجهر، في مختلف التخصصات — بما في ذلك الفيزياء والكيمياء والأحياء والطب والهندسة وعلوم الحياة — رصد الإلكترونات في عينات مادية متنوعة وتصورها في الزمان والمكان بشكل فوري. ويُقرّب هذا الإنجاز كلا من الباحثين والمفكرين لقفزة جديدة نحو التحديد المتزامن لموقع الإلكترون وسرعته بدقة فائقة.

وفي جوهر الأمر، نجح البروفيسور المصري محمد ثروت حسن وفريقه في توليد نبضات فوتونية فائقة السرعة واستخدامها لتشكيل الأشكال الموجية لنبضات الليزر؛ وهي عملية تتم عبر تشتت الضوء، والتشكيل الطيفي الملائم، وإعادة تجميع الضوء لاحقاً في شكل موجي مُصمَّم هندسياً. وقد تحقق ذلك من خلال توجيه الضوء باستخدام تقنيات قياس متطورة لتحليل ديناميكيات الشبكة البلورية، مما قد يساعد في توضيح كيفية تأثير البنية البلورية على الخصائص الكهربائية للمعادن.

كما ركزت القياسات أيضاً على دراسة عدم الاستقرار المرتبط بـ “موجات كثافة الشحنة (Charge-density wave instabilities) في المعادن ذات البنية البلورية من نوع كاجومي (kagome)، مما كشف عن تفاعلات معقدة قد تؤثر على الخصائص الفيزيائية للمادة.

معدن كاجومي (Kagome Metal) هو فئة من المواد الكمومية التوصيلية التي تتميز بترتيب ذري فريد يُشبه نمط نسج السلال اليابانية التقليدية المسمى (Kagome lattice) . يتكون هذا الهيكل الهندسي من مثلثات متداخلة تشترك في زواياها محيطة بفراغات سداسية كبيرة، حيث تُصنف هذه المواد كإحدى أكثر الظواهر إثارة في فيزياء المادة المكثفة بسبب الخصائص الإلكترونية والمغناطيسية الاستثنائية التي تنتج عن هذا التوزيع الهندسي للذرات.

علاوة على ذلك، أشارت النتائج إلى وجود تنافس بين أنماط مختلفة من عدم الاستقرار، وهو ما قد يؤثر على سلوك المادة في ظل ظروف محددة. وخلصت الدراسة إلى أن فهم ديناميكيات الشحنة في المواد ذات بنية “كاجومي” يُعد أمراً بالغ الأهمية، إذ قد يفتح آفاقاً جديدة لإستيعاب وفهم سلوك المواد لتعظيم تطبيقاتها.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المغناطيسية والارتباطات الإلكترونية في المواد الممغنطة من نوع “كاجومي” تدخل في تفاعل متبادل ومعقد؛ حيث تدفع التأثيرات المغناطيسية تدفق الإلكترونات حول المثلثات البنيوية للمادة، بينما تندمج الإلكترونات في موجة جماعية تحمل تياراً كهربائياً، وهي ظاهرة تشبه الموصلية الفائقة. واستناداً إلى الترتيب الذري، يمكن حساب بنية الحزم (Band structure) المحددة المتوقعة في طبقة رقيقة من مغناطيس “كاجومي”، مما يوفر مساراً قيماً للباحثين للتنبؤ بطوبولوجيا المادة عند التصاميم الهندسية المستقبلية.

وفي هذا السياق، نجح الباحثون مينغو كانغ (Mingu Kang) وريكاردو كومين (Riccardo Comin) وزملاؤهم في تحديد الشكل الحقيقي— أو البصمة الهندسية — للإلكترونات المتحركة في نظام كاجومي باستخدام تقنية “مطيافية الانبعاث الضوئي المحللة للزاوية .(ARPES) تُعد تقنية ARPES أداة قياس متطورة للغاية تحلل زوايا وزخم الإلكترونات المنبعثة من المادة لقياس “الموتر الهندسي الكمي (Quantum geometric tensor)، مما يوفر رؤى غير مسبوقة حول الخصائص الهندسية الكمية للمادة.

وقد كشفت الدراسة عن قياسات دقيقة للمواد الصلبة، مما عزز فهم خصائصها الكمية. ويمثل هذا المقال خطوة هامة نحو تطوير الخصائص الكهربائية والبصرية للمواد الصلبة، وفتح آفاق جديدة في الفيزياء الكمية وتطبيقاتها في التقنيات المستقبلية.

ونتيجة لذلك، يمكن الآن تعريف الهندسة الكمومية بأنها تخصص يوظف الحوسبة الكمومية والطوبولوجيا—مستخدماً الإحداثيات والمسافات والزوايا والأشكال—لاكتساب فهم أعمق للخصائص الفيزيائية للمواد. وفي الوقت نفسه، تُعد “الأتوثانية” (Attosecond) وحدة زمنية متناهية الصغر — إذ تمثل جزءاً واحداً من مليار المليار (كفينتيليون) من الثانية — وتُعتبر من أحدث الوحدات التي أقرها المكتب الدولي للأوزان والمقاييس (BIPM) في مجالي التردد والزمن؛ كما أنها تنطوي على تطبيقات هندسية واعدة.

الخلاصة:

تقف البشرية حالياً عند منعطف مفصلي يمثل فجر الثورة الصناعية الخامسة (IR5.0)، مدفوعةً بالتطورات المرتقبة في صناعة الإلكترونيات الدقيقة متناهية الصغر، وتحديداً تلك القائمة على الهندسة الكمومية وأنظمة المترولوجيا فائقة الدقة التي تستخدم تقنيات الأتوثانية. وبناءً على ذلك، يمكن طرح التوصيات التالية:

  • أهمية الحفاظ على الثروة المعدنية الوطنية: تُعد الموارد المعدنية العمود الفقري للتنمية الاقتصادية ومحركاً للصناعات الحيوية، كما تشكل أساساً لبناء الحضارات وتقدم الأمم. وتكتسب الموارد ذات الخصائص الفيزيائية الفريدة قيمة استراتيجية في المجالات العلمية، الاقتصادية، حتى السياسية؛ لذا فإن الحفاظ على هذه الثروة يتطلب إيلاء الأولوية لإدارة الموارد المعدنية الوطنية وحمايتها – ولا سيما المعادن النادرة التي أصبحت عنصراً مؤثراً في الصراعات السياسية والعسكرية العالمية المعاصرة نظراً لدورها الحيوي في تصنيع الرقائق الإلكترونية فائقة التطور.
  • أهمية تحديث المناهج الأكاديمية والخطط الدراسية الوطنية- لا سيما في تخصصات الهندسة والفيزياء بالجامعات ومؤسسات التعليم العالي، لمواكبة التطورات المرتقبة في مجال ميكانيكا المواد وأنظمة المترولوجيا الهندسية المتقدمة. ويُعد هذا أمراً جوهرياً لتزويد طلابنا اليوم (مهندسين وفزيائيين وكيمائيين الغد) بأحدث المعارف وإعدادهم للانتقال الوشيك نحو الثورة الصناعية الخامسة.
  • أهمية تحديث أجندات البحث العلمي في المؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث الوطنية لتتوافق مع الاكتشافات العلمية الحالية والمرتقبة المتعلقة بالمواد الهندسية، وخصوصاً النانومترية؛ مما يسهل عملية انتقال سلسة ومتناغمة، مما يساعد في تهيئة بيئة علمية قادرة على التكيف مع متطلبات الثورة الصناعية الخامسة والاندماج فيها.
  • تطوير الأنظمة الدقيقة: من المتوقع أن تُحدث التطورات في الأنظمة المدمجة (Embedded Systems) والمستشعرات الإلكترونية وأنظمة التحكم نقلة نوعية في مستوى الأداء فائق الدقة. وستصبح هذه الأنظمة أكثر فعالية، خصوصاً لخفض استهلاك الطاقة والموارد، مما يعزز كفاءتها واستدامتها مستقبلاً. ونتيجة لذلك، قد يصبح تصميم وتصنيع مواد هندسية جديدة ذات خصائص فيزيائية محددة – مثل الموصلية العالية – أمراً ممكناً وقريباً، مما يتيح تعظيم أداء الأنظمة الهندسية إلى أقصى حد، بما يدعم الصناعات الهندسية.

ختاماً، يمكن القول إن القفزة العلمية المستندة إلى الهندسة الكمومية وتقنية الأتوثانية التي تمكننا من رؤيتنا المبتكرة لسلوك المواد — تعتبر قفزة علمية جديدة بمشاركة علماء مصريين – تتيح فهماً أكثر دقة للخصائص الفيزيائية للمواد. ومما لا شك فيه أن هذا الأمر سيدفعنا نحو عصر الثورة الصناعية الخامسة (IR5.0)، مما يدعم الاقتصاد العالمي، وعزز تحسين جودة حياة الناس للأفضل بأمر الله.

هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 3   +   7   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة