بقلم: عبدالله سعيد الحبسي، MIoL
كلما أُعلن مشروع جديد للذكاء الاصطناعي، انشغل الناس بحجمه وقدرته وما يعد به من فرص. نسمع عن مراكز بيانات أكبر، وخوادم أسرع، وخدمات تستطيع إنجاز ما كان يستغرق ساعات في دقائق. غير أن هناك سؤالًا اقتصاديًا لا يحظى بالاهتمام نفسه: من يدفع تكلفة هذا السباق الآن، ومتى تصل ثماره إلى المواطن الذي لا يملك شركة تقنية ولا يعمل في مركز بيانات؟
تكلفة السباق قبل ظهور العائد
في السادس عشر من أكتوبر، نقلت رويترز عن مسؤولين في بنوك مركزية مخاوف من ارتفاع الطلب العالمي على رؤوس الأموال بسبب التوسع في مشروعات الذكاء الاصطناعي. فالإنفاق على الحوسبة والكهرباء والاتصالات يحدث اليوم، بينما قد تتأخر مكاسب الإنتاجية التي يُفترض أن تعوضه. لا يعني ذلك أن التكنولوجيا بلا فائدة، بل يعني أن حساب التكلفة يجب أن يسبق الاحتفاء بالعائد المتوقع.
كيف يتأثر الاقتصاد المصري؟
هذا النقاش يهم الاقتصاد المصري بصورة عملية. فالشركات الصغيرة والمتوسطة تحتاج تمويلًا لتحديث آلاتها وتطوير منتجاتها والحفاظ على وظائفها. وإذا أصبح المال أكثر كلفة عالميًا، فلن يقتصر الأثر على شركات التكنولوجيا الكبرى. قد تجد ورشة أو مصنع أو مؤسسة خدمية نفسها أمام قرار صعب بين شراء معدات ضرورية وتمويل مشروع رقمي لا تتضح نتائجه بعد. وهنا لا يصح أن نعامل كل ما يحمل اسم الذكاء الاصطناعي باعتباره استثمارًا أولى من غيره.
ابدأ بالمشكلة لا بالتقنية
المعيار الذي أقترحه بسيط: ابدأ بالمشكلة لا بالتقنية. إذا كانت مستشفى تعاني طول انتظار المرضى، فلتقِس أسباب التأخير أولًا. وإذا كان مصنع يخسر ساعات بسبب أعطال متكررة، فليحدد مواضع الخلل. ربما يقدم الذكاء الاصطناعي حلًا ممتازًا، وربما تكفي صيانة أفضل أو تنظيم إداري أو تدريب موظفين. الهدف ليس إثبات أن لدينا نظامًا ذكيًا، بل أن يشعر المستفيد بتحسن حقيقي.
تكلفة الاعتماد على الموردين
هناك تكلفة أخرى لا تظهر في فواتير الشراء: تكلفة الاعتماد. عندما تعتمد مؤسسة على مورد خارجي في تحليل البيانات أو إدارة المواعيد أو مراقبة المعدات، فإن توقف الخدمة قد يعطل عملًا كاملًا. ولهذا يجب أن تتضمن العقود حق الحصول على البيانات، وإجراءات بديلة عند الانقطاع، وحدودًا واضحة لمسؤولية المورد. فالمؤسسة لا تستطيع أن تعتذر للناس إلى ما لا نهاية بأن الخلل من النظام.
التدريب والمسؤولية البشرية
وأرى أن التدريب هو الجزء الأكثر تعرضًا للتقليل من شأنه. لا يكفي أن يتعلم الموظف الضغط على الأزرار الصحيحة. يجب أن يفهم متى يراجع النتيجة، وكيف يكتشف الخطأ، ولمن يرفع الاعتراض. وكلما زاد تأثير القرار على حياة الإنسان، زادت الحاجة إلى مسؤول بشري واضح يمكن مساءلته. فالذكاء الاصطناعي الذي يساعد الطبيب أو الموظف أو المهندس ينبغي أن يوسع قدرته على العمل، لا أن يسلبه الحكم المهني.
ما الذي يناسب احتياجات مصر؟
من التجارب التي تستحق التأمل في الإمارات ربط التحول الرقمي بتحسين الخدمات اليومية، لكن الاستفادة من التجارب لا تعني استنساخها. لكل اقتصاد احتياجاته وإمكاناته وأولوياته. وفي مصر، قد تكون القيمة الأكبر في أدوات ميسورة التكلفة تصل إلى المصانع الصغيرة والمدارس والخدمات المحلية، لا في مشروعات ضخمة يصعب قياس أثرها على الناس.
شفافية النتائج قبل استمرار الاستثمار
نحتاج كذلك إلى شفافية في تقييم النتائج. كم ساعة وفر النظام؟ كم خطأ خفض؟ ما تكلفة تشغيله سنويًا؟ وهل يستطيع المستفيد الاعتراض إذا تضرر من قرار آلي؟ نشر هذه المؤشرات يجعل النقاش حول التكنولوجيا أكثر نضجًا من المقارنة بين أحجام الاستثمارات. كما يساعد المؤسسات على وقف مشروع غير مجدٍ بدل الاستمرار فيه خشية الاعتراف بأن التوقعات كانت متفائلة.
النجاح في الأثر لا في حجم الاستثمار
لا أدعو إلى التباطؤ في تبني الذكاء الاصطناعي، بل إلى الانضباط في استخدام المال العام والخاص. فالسباق الحقيقي ليس على من يشتري الأجهزة أكثر، وإنما على من يحول التقنية إلى خدمة أو منتج أفضل دون أن يثقل الاقتصاد بالتزامات لا يستطيع الوفاء بها. وفي النهاية، لا تقاس فائدة الذكاء الاصطناعي بعدد الخوادم، بل بما يتركه من أثر واضح في حياة الناس.
المصدر: رويترز، 16 أكتوبر 2026 — تقرير عن أثر طفرة الذكاء الاصطناعي في الطلب العالمي على التمويل. قراءة التقرير الأصلي
عبدالله سعيد الحبسي، MIoL
كاتب وباحث إماراتي متخصص في الأمن وإدارة المخاطر والمرونة المؤسسية
A.S. Alhebsi
عضو معهد القيادة البريطاني (The Institute of Leadership – UK)

آخر فيديو
استعرض معنا في هذا الفيديو الإبداع الفني الخالص من خلال عرض أعمال