عاجل

حين تتحد الدول في مواجهة عصابات الاحتيال

بقلم: عبدالله سعيد الحبسي

أعلنت الإمارات نتائج عملية «مواجهة الشبح» الدولية لمكافحة الاحتيال، بمشاركة ثلاثين دولة وثلاث عشرة جهة من القطاع الخاص ومنظمتين دوليتين. وأظهرت النتائج المعلنة إحباط أكثر من 123 مليون محاولة احتيال، والقبض على أكثر من 960 شخصًا، والكشف عن أموال وأصول تتجاوز قيمتها 39 مليار دولار. هذه أرقام تستحق الاهتمام، لكن قيمتها الأعمق ليست في ضخامتها وحدها؛ بل في السؤال الذي تطرحه على الحكومات والمؤسسات: لماذا ما زلنا نتعامل مع الاحتيال الرقمي وكأنه جريمة تقع داخل حدود دولة واحدة؟

الاحتيال الرقمي جريمة تتجاوز الحدود

المحتال المعاصر لا يحتاج إلى عبور نقطة حدودية. يستطيع إنشاء واجهة تجارية وهمية في بلد، وتشغيل اتصالاته من بلد ثانٍ، واستقبال الأموال عبر حسابات في بلد ثالث، ثم نقلها خلال دقائق إلى مسارات يصعب تتبعها. أما الضحية فقد تكون موظفًا يتلقى رسالة تبدو صادرة من مديره، أو صاحب مشروع صغير يوافق على تحويل مستحقات إلى حساب تغيرت بياناته، أو أسرة تخشى فقدان مدخراتها. في هذه الحالات، لا تكفي كفاءة الشرطة المحلية وحدها إذا كانت أجزاء الجريمة موزعة على أنظمة قضائية وتقنية ومالية متعددة.

من ملاحقة الجريمة إلى منع وقوعها

لهذا أرى أن الرسالة الأهم في العملية الإماراتية هي الانتقال من التعاون الذي يبدأ بعد وقوع الجريمة إلى التعاون الذي يعمل أثناء تشكلها. فعندما تستطيع الجهات المختصة تبادل المؤشرات والتحذيرات بسرعة، تصبح لديها فرصة لتعطيل حسابات مشبوهة أو وقف تحويلات أو تنبيه مستخدمين قبل أن يتحول الاحتيال إلى خسارة نهائية. لا يعني ذلك أن كل محاولة جرى إحباطها كانت ستنجح، ولا أن كل أصل جرى الكشف عنه قد استُرد. لكنه يعني أن القياس الأمني يجب ألا يقتصر على عدد المقبوض عليهم، بل أن يشمل مقدار الضرر الذي أمكن منعه.

شراكة بين الحكومات والقطاع الخاص

هناك درس آخر يتعلق بالقطاع الخاص. البنوك وشركات الاتصالات والمنصات الرقمية ليست مجرد جهات تقدم بيانات بعد وصول طلب رسمي. إنها ترى أجزاء مختلفة من السلوك الاحتيالي: حركة مالية غير مألوفة، أو موجات رسائل متشابهة، أو حسابات تنشأ ثم تختفي، أو أنماط انتحال تتكرر بين الأسواق. وإذا بقيت هذه الإشارات منفصلة، فقد تبدو كل واقعة صغيرة وعادية. أما جمعها وفق ضوابط قانونية واضحة فقد يكشف شبكة أكبر قبل أن تتوسع. التحدي هو بناء شراكة عملية تحمي الخصوصية ولا تحول مكافحة الاحتيال إلى مبرر لتبادل البيانات بلا حدود.

الفئات الأكثر عرضة للاحتيال الرقمي

وفي العالم العربي، تبرز حاجة خاصة إلى حماية الفئات التي لا تملك فرقًا متخصصة للأمن السيبراني. الشركات الصغيرة، وكبار السن، والباحثون عن عمل، والأفراد الذين يستخدمون الخدمات المالية الرقمية للمرة الأولى قد يكونون أكثر تعرضًا لرسائل الإقناع والاستعجال وانتحال الصفات. لا يكفي أن نطلب من الجميع «توخي الحذر». المطلوب أن تكون إجراءات الإبلاغ سهلة، وأن تتعامل المؤسسات المالية بسرعة مع الاشتباه، وأن يعرف الضحية الجهة التي يلجأ إليها دون أن يضيع بين البنك والشرطة والمنصة الإلكترونية.

التحقق المستقل يحمي الأموال

كما أن التوعية وحدها لا تستطيع مواكبة كل أساليب الخداع. يمكن للمحتال اليوم استخدام أدوات رقمية لإنتاج أصوات وصور ورسائل مقنعة، ولذلك ينبغي أن تنتقل المؤسسات من الاعتماد على مظهر الرسالة أو نبرة المتصل إلى إجراءات تحقق مستقلة. إذا طلب شخص تحويل مبلغ عاجل باسم مسؤول أو قريب، فوجود قناة ثانية للتحقق ليس تعقيدًا بيروقراطيًا؛ بل حاجزًا بسيطًا قد يمنع خسارة كبيرة. وهذا المبدأ ينطبق على الشركات والدوائر الحكومية والأسر معًا.

وضوح المسؤوليات وسرعة الاستجابة

لكن نجاح أي شراكة دولية يحتاج أيضًا إلى إجابات واضحة عن المسؤولية. من يتلقى البلاغ أولًا؟ من يقرر تجميد عملية مالية؟ كيف تُحفظ الأدلة الرقمية بحيث تصلح للإجراءات القضائية في أكثر من دولة؟ وكيف نمنع أن تتأخر الاستجابة بسبب اختلاف ساعات العمل أو الإجراءات؟ هذه ليست تفاصيل فنية هامشية، بل هي الفارق بين تعاون يظهر في البيانات الصحفية وتعاون يشعر بأثره الشخص الذي يحاول إنقاذ أمواله.

معايير مشتركة لمكافحة الاحتيال

أعتقد أن تجربة «مواجهة الشبح» تمنح الدول فرصة لتطوير معايير مشتركة للاستجابة السريعة، وتبادل المؤشرات الموثوقة، والتدريب على سيناريوهات احتيال تتجاوز الحدود. ويمكن للجامعات والمؤسسات المهنية أن تسهم بدراسة الأنماط الجديدة وتقييم ما ينجح وما يحتاج إلى تحسين. والأهم نشر نتائج قابلة للفهم والمراجعة، بحيث يعرف الجمهور الفرق بين محاولات أُحبطت، وأموال جرى تعقبها، وأصول جُمّدت، ومبالغ أُعيدت إلى أصحابها.

حماية الإنسان هي المعيار الحقيقي للنجاح

لا تُقاس قوة الدولة في مواجهة الاحتيال بقدرتها على ملاحقة الجناة فقط، بل بقدرتها على جعل الجريمة أصعب وأقل ربحًا، وجعل الإبلاغ أسرع، واستعادة الثقة ممكنة. وإذا كانت شبكات الاحتيال قد تعلمت العمل عبر الحدود، فمن المنطقي أن تتعلم المؤسسات التي تحمي الناس العمل بالسرعة نفسها. عندها يصبح التعاون الدولي ممارسة يومية لحماية الإنسان، لا عنوانًا يظهر بعد انتهاء العملية.

نبذة الكاتب: عبدالله سعيد الحبسي، كاتب وباحث إماراتي في الأمن وإدارة المخاطر والقيادة المؤسسية، وعضو معهد القيادة البريطاني.

هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 9   +   8   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة