عاجل

متى يصبح الاستثمار في المياه استثمارًا ناجحًا؟

بقلم: عبدالله سعيد الحبسي 

الاختبار الحقيقي للاستثمار في المياه

حين يُفتتح مشروع جديد للمياه، يسهل أن نحكم على أهميته من حجم التمويل أو الطاقة الإنتاجية أو عدد المستفيدين المتوقع. لكن الاختبار الذي يواجه الناس والمؤسسات يبدأ بعد الافتتاح: هل تستمر الخدمة عند ارتفاع الطلب؟ وهل تتوافر الأموال والخبرات اللازمة للصيانة؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخير عندما يتعطل جزء صغير في شبكة كبيرة؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الاستثمار، بل تحدد ما إذا كان سيحقق الغرض الذي أُنشئ من أجله.

مرونة المياه في صميم التخطيط الاقتصادي والاستثماري

في 27 أكتوبر 2026، دعت دولة الإمارات إلى وضع مرونة المياه في صميم التخطيط الاقتصادي والاستثماري، خلال فعاليات «ويتيكس» والقمة العالمية للاقتصاد الأخضر في دبي. واللافت في هذه الدعوة أنها تربط الماء بالطاقة والتمويل والتكنولوجيا، بدل التعامل معه بوصفه قطاعًا خَدميًا منفصلًا. فمحطة المعالجة تحتاج إلى كهرباء، والشبكة تحتاج إلى مضخات وفرق صيانة، والصناعة والزراعة تحتاجان إلى إمداد يمكن توقعه لا إلى وعود عامة بزيادة الإنتاج.

كفاءة استخدام المياه وأثرها في الاقتصاد

هذه العلاقة مهمة لمصر بقدر أهميتها لدول الخليج، وإن اختلفت ظروف كل دولة. ففي مصر ترتبط المياه بالزراعة والصناعة والمدن المتوسعة، ويصبح رفع كفاءة استخدام الموارد مسألة اقتصادية لا بيئية فحسب. وإذا كان المشروع يزيد الإمدادات لكنه يترك الفاقد أو أعطال التوزيع بلا علاج، فإن جزءًا من عائده يضيع قبل وصوله إلى المستفيد. وكذلك فإن توفير المعدات الحديثة دون تدريب العاملين على تشغيلها وإصلاحها قد يحوّل الحل المتقدم إلى عبء إضافي بعد انتهاء الضمان.

كيف تؤثر أعطال المياه في النشاط الاقتصادي؟

لنتصور منطقة صناعية اعتمدت على مصدر مائي جديد لتوسيع الإنتاج. قد تنجح حسابات الإنشاء تمامًا، ثم تتوقف بعض الورش لساعات بسبب خلل في الضغط أو تأخر إصلاح مضخة. عندها لا تظهر الخسارة في حسابات محطة المياه وحدها؛ بل تنتقل إلى العامل والمصنع والمورد والعميل. هذه صورة افتراضية، لكنها توضح لماذا يجب أن يدخل أثر الانقطاع على النشاط الاقتصادي في تقييم مشروعات المياه، لا أن يبقى خارج الميزانية.

التمويل والصيانة ومؤشرات الأداء والمساءلة

من هنا أرى أن أي تمويل كبير ينبغي أن يصاحبه اتفاق واضح على ثلاثة أمور: تكلفة التشغيل والصيانة طوال العمر المتوقع للمشروع، ومؤشرات أداء يمكن قياسها، وخطة معلنة للمساءلة عند التعثر. لا يحتاج المواطن إلى معرفة التفاصيل الأمنية لشبكات المرافق، لكنه يستحق أن يعرف ما إذا كانت ساعات الانقطاع تتراجع، وهل تقل نسبة الفاقد، وكم يستغرق إصلاح العطل مقارنة بالعام السابق.

بناء القدرات المحلية وإدارة المخاطر

وهناك فرق بين أن نشتري تقنية جديدة وأن نبني قدرة محلية على استخدامها. فالاعتماد على نظم رقمية لرصد التسربات أو توقع الاستهلاك يمكن أن يكون مفيدًا، بشرط ألا يصبح العمل اليومي مرهونًا بشركة خارجية وحدها. التدريب، وتوفير قطع الغيار، وتوثيق إجراءات الطوارئ، وتحديد من يملك قرار التدخل، أمور لا تقل أهمية عن جودة أجهزة الاستشعار نفسها. وفي إدارة المخاطر، يكون أضعف جزء في المنظومة قادرًا أحيانًا على تعطيل منجزات الأجزاء الأقوى.

مؤتمر الأمم المتحدة للمياه وفرص تحويل التعهدات إلى نتائج

أما على المستوى الدولي، فإن مؤتمر الأمم المتحدة للمياه المقرر عقده في أبوظبي من 8 إلى 10 ديسمبر 2026، باستضافة الإمارات والسنغال، يمثل فرصة لطرح سؤال عملي: كيف تتحول التعهدات والتمويلات إلى خدمة موثوقة ومستمرة؟ ليس المطلوب تقليل الاستثمار في مشروعات جديدة، بل إخضاعها منذ البداية لحسابات الاستدامة التشغيلية والقدرة المؤسسية.

كيف نقيس القيمة الحقيقية لمشروعات المياه؟

لقد اعتدنا أن نسأل عند الإعلان عن مشروع مائي: كم سينتج؟ والسؤال المكمل الذي يجب ألا يغيب هو: كم سيظل قادرًا على الإنتاج، وبأي تكلفة، ولصالح من؟ عندها فقط ننتقل من الاحتفاء بحجم المشروع إلى قياس قيمته الحقيقية في حياة الناس والاقتصاد.

هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 7   +   3   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة