صدفة الحرب التي غيرت وجه طب العيون
في أتون الحرب العالمية الثانية، لم تكن ساحات المعارك وحدها هي مسرح الابتكار والاكتشاف، بل امتد الأمر ليصنع ثورات طبية غير متوقعة. ففي إحدى المعارك الجوية العنيفة، تعرض الطيار البريطاني هارولد ريدلي لحادث أسفر عن تحطم مظلة طائرته الحربية واستقرار شظايا دقيقة من البلاستيك الشفاف في عينيه. وبينما كانت التوقعات الطبية تشير إلى حتمية فقدان بصره أو ضرورة إزالة العين المتضررة، لاحظ الأطباء أمراً مذهلاً.
سر المادة البلاستيكية التي لم ترفضها العين
اعتاد الأطباء في ذلك الوقت إزالة أي جسم غريب يدخل العين فوراً لتجنب الالتهابات والتلف. لكن مع حالة الطيار ريدلي، لاحظ الدكتور هارولد أن النسيج الحيوي لعين الطيار لم يرفض تلك الشظايا البلاستيكية المصنوعة من مادة “البيكسي جلاس” (Plexiglas)، بل تقبلها وسكنت فيها دون رد فعل مناعي مدمر. هذا الإشراق العلمي الفجائي أضاء في ذهن الطبيب فكرة ثورية: لماذا لا نستخدم هذه المادة لتصنيع عدسات صناعية تُزرع داخل العين؟
من حادث طائرة إلى علاج الملايين
حتى ذلك الحين، كان علاج المياه البيضاء (الساد) يعتمد على إزالة العدسة المعتمة فقط، مما يترك المريض بنظر ضعيف للغاية يتطلب نظارات سميكة جداً. استلهم ريدلي من شظايا طائرة الحرب العالمية فكرة ابتكار أول عدسة زرع داخل العين في التاريخ لتعويض العدسة التالفة. ورغم التشكيك الكبير الذي واجهه من المجتمع الطبي في البداية، مهدت هذه التجربة الجريئة الطريق لتقنيات جراحة العيون الحديثة.
إرث دائم يضيء عيون العالم
اليوم، يستفيد ملايين البشر حول العالم من جراحات المياه البيضاء الآمنة والسريعة بفضل تلك الشظايا البلاستيكية التي استقرت مصادفة في عين طيار شجاع قبل عشرات السنين. لقد تحولت مأساة الحرب إلى منارة أمل طبية، لتثبت مرة أخرى أن الفضول العلمي والملاحظة الدقيقة قد يغيران مجرى التاريخ البشري من حيث لا يحتسب أحد.
بقلم: هاني سلام
المصدر: SciShow

آخر فيديو
تابع معنا تحليل قراءة الصحف اليومية مع الكاتب الصحفي هاني سلام عبر