عاجل

الاتفاقيات الاقتصادية لا تصنع النجاح وحدها

بقلم: عبدالله سعيد الحبسي 

ما بعد توقيع الاتفاقيات الاقتصادية

أثار توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وكندا في السابع والعشرين من أكتوبر 2026 اهتمامًا اقتصاديًا واسعًا، ليس فقط لحجم الفرص التي تتناولها، وإنما للمدة التي استغرقتها المفاوضات، والتي بلغت 47 يومًا. وإذا كانت سرعة التفاوض تعكس قدرة المؤسسات على التوصل إلى تفاهمات، فإن السؤال الأهم يبدأ بعد التوقيع: من يملك القدرة على تحويل الاتفاقيات إلى نتائج يستفيد منها الاقتصاد والمجتمع؟

هذا السؤال يستحق النقاش في مصر، التي تمتلك سوقًا استهلاكية كبيرة وقاعدة صناعية متنوعة وموقعًا جغرافيًا يمنحها أهمية في حركة التجارة العالمية. فنجاح التعاون الاقتصادي لا يعتمد على عدد الاتفاقيات التي توقعها الدول، بل على مدى جاهزية المؤسسات والشركات للاستفادة منها.

الفرص التجارية لا تضمن النجاح الاقتصادي

قد تفتح اتفاقية تجارية سوقًا جديدة أمام المنتج المحلي، لكنها لا تضمن وجود مشترين. وقد توفر استثمارات أجنبية فرصًا للتوسع الصناعي، لكنها لا تعني بالضرورة انتقال المعرفة أو زيادة مشاركة الموردين المحليين. وبين الإعلان عن الفرصة وتحقيق فائدتها الاقتصادية توجد سلسلة من الإجراءات والقرارات التي قد تصنع النجاح أو تعرقله.

في تقديري، تكمن إحدى المشكلات التي تواجه تنفيذ المبادرات الاقتصادية في التعامل مع توقيع الاتفاقية باعتباره نهاية الإنجاز، بينما يمثل في الحقيقة بداية الاختبار.

تسهيل الاستثمار بدلًا من الاكتفاء بتشجيعه

فالمستثمر الذي يفكر في إقامة مشروع صناعي لا يكتفي بمعرفة الحوافز المتاحة، وإنما يسأل عن الوقت اللازم للحصول على التراخيص، ومدى توافر المواد الخام، وكفاءة النقل، واستقرار الخدمات، وقدرته على الحصول على العمالة المناسبة. وكلما تعددت الإجراءات وتعقدت المسؤوليات، ازدادت الفجوة بين جاذبية السوق نظريًا وصعوبة العمل داخله.

وهنا تبرز أهمية الانتقال من مفهوم تشجيع الاستثمار إلى مفهوم تسهيل نجاح الاستثمار.

دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة

وفي الحالة المصرية، يمكن لهذا التوجه أن يبدأ بإعطاء اهتمام أكبر للشركات الصغيرة والمتوسطة الموجودة أصلًا في السوق. فهذه الشركات لا تحتاج دائمًا إلى اتفاقية جديدة بقدر حاجتها إلى معلومات دقيقة عن الأسواق الخارجية، وآليات واضحة لمطابقة المواصفات، وخدمات لوجستية يمكن تحمل تكلفتها، وفرص حقيقية للدخول في سلاسل التوريد الكبرى.

كيف نقيس النتائج الفعلية للاتفاقيات؟

كما أن متابعة نتائج الاتفاقيات يجب ألا تقتصر على حجم الاستثمارات المعلن عنها. فمن المهم قياس عدد المشروعات التي بدأت الإنتاج الفعلي، وفرص العمل المستدامة التي أوجدتها، ونسبة المكونات المحلية المستخدمة، ومدى قدرة الشركات الوطنية على الاستمرار بعد انتهاء الحوافز الأولى.

ومن الضروري أيضًا التمييز بين الاستثمارات المستهدفة والاستثمارات المنفذة. ففي إطار الشراكة الإماراتية الكندية، تحدث البلدان عن تسهيل فرص استثمارية تصل إلى 70 مليار دولار كندي. وهذا التوجه يعبر عن طموح اقتصادي كبير، لكنه لا يعني أن هذا المبلغ جرى ضخه بالفعل في مشروعات مكتملة.

الدقة في عرض هذه الأرقام لا تقلل من أهمية الاتفاقيات، بل تعزز مصداقية تقييمها.

المتابعة المؤسسية من التوقيع حتى التشغيل

ولعل أحد الدروس المفيدة يتمثل في ضرورة وجود جهة تنسيقية واضحة تتابع كل اتفاق اقتصادي منذ التوقيع حتى التشغيل، وتحدد العقبات التي تواجه الشركات، وتصدر تقارير دورية عن الإنجازات الفعلية. فالمتابعة لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء إداري، بل أداة لتصحيح القرارات قبل أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى أسباب لتعطيل المشروعات.

ولا يعني ذلك إغفال الظروف الاقتصادية العالمية أو التحديات التمويلية التي قد تؤثر في التنفيذ، وإنما الاعتراف بأن جودة الإدارة عنصر لا يمكن تعويضه بكثرة التوقيعات.

تحويل الانفتاح التجاري إلى نمو مستدام

إن مصر قادرة على الاستفادة من موقعها وقدراتها البشرية والصناعية بصورة أوسع كلما أصبحت رحلة المستثمر والمنتج أكثر وضوحًا وقابلية للتنبؤ. والأمر نفسه ينطبق على الاقتصادات الأخرى التي تسعى إلى تحويل الانفتاح التجاري إلى نمو مستدام.

لقد أصبح العالم أكثر اهتمامًا بتوسيع الشراكات وتنويع الأسواق. لكن المنافسة الحقيقية لن تكون بين الدول التي توقع أكبر عدد من الاتفاقيات، وإنما بين الدول التي تتمكن مؤسساتها من تحويل الفرص المكتوبة إلى مصانع تعمل، وشركات تتوسع، ووظائف تستمر.

فالاقتصاد لا يجني ثماره من الاتفاقية التي تُوقَّع، بل من الفرصة التي تُنفَّذ.

المراجع

وزارة الخارجية الإماراتية – الخبر المتعلق بالشراكة الاقتصادية الإماراتية الكندية

عبدالله سعيد الحبسي — كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث والمخاطر وغرف العمليات، وعضو معهد القيادة البريطاني.

هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 3   +   3   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة