موجات الحر الشديد تتجاوز تأثيرات الطقس
اعتاد الناس النظر إلى ارتفاع درجات الحرارة باعتباره أمرًا يرتبط بحالة الطقس، ويكفي لمواجهته تجنب الخروج في ساعات الظهيرة أو الإكثار من شرب المياه. غير أن موجات الحر الشديد أصبحت تطرح تحديات أوسع تتعلق بالصحة العامة، واستمرارية الخدمات، وظروف العمل، وقدرة المدن على التعامل مع الضغط المتزامن على مرافقها الأساسية.
تأثير الحرارة المرتفعة على الخدمات والمرافق الأساسية
فالحرارة المرتفعة لا تؤثر في الإنسان وحده، بل تزيد الطلب على الكهرباء والتبريد والمياه، وتؤثر في كفاءة بعض المعدات والمنشآت، كما تفرض أعباء إضافية على العاملين في المواقع المكشوفة. وإذا تزامنت هذه الظروف مع عطل في الكهرباء أو انقطاع المياه أو ازدحام المرافق الصحية، فقد يتحول ارتفاع الحرارة من مشكلة فردية إلى تحدٍّ تشغيلي يتطلب تنسيقًا بين جهات متعددة.
التقارير الدولية والاستعداد لمخاطر الحرارة في مصر
وقد تناولت تقارير دولية هذه المسألة ضمن التحديات المناخية التي تواجه مصر. وأشار تقرير للبنك الدولي عن التنمية والمناخ إلى أهمية تطوير البنية الأساسية وتعزيز قدرة المدن والخدمات على مواجهة المخاطر المناخية. كما تناولت مراجعة نشرتها الأمم المتحدة عام 2025 السياسات المصرية المتعلقة بالحر الشديد والاستعداد لتأثيراته الصحية والاجتماعية.
وفي السادس من نوفمبر 2026، أعاد الجدل الأوروبي حول تمويل خطط المرونة المناخية طرح مسألة تستحق الاهتمام خارج أوروبا أيضًا، وهي أن تحديد المخاطر وإعداد الخطط لا يكفيان ما لم تتوافر الموارد والإجراءات التي تحول تلك الخطط إلى حماية فعلية.
الاستعداد للحر الشديد يبدأ بتحديد المخاطر
لكن الاستعداد للحر الشديد لا ينبغي أن يبدأ بشراء معدات إضافية فقط. الأهم معرفة الخدمات التي قد تتأثر، والأشخاص الأكثر عرضة للخطر، وكيفية استمرار العمل عند زيادة الضغط على المرافق.
دور المدارس والمستشفيات ومؤسسات العمل الميداني
يمكن للمدارس، على سبيل المثال، أن تراجع إجراءات التعامل مع الأنشطة الخارجية والتنقل في أيام الحرارة الشديدة. وتحتاج المستشفيات والمراكز الصحية إلى تقدير تأثير ارتفاع الطلب على خدماتها، وضمان جاهزية التبريد والتجهيزات الضرورية. أما المؤسسات التي تعتمد على العمل الميداني، فعليها تنظيم فترات العمل والراحة وتوفير المياه ووسائل الوقاية المناسبة لطبيعة النشاط.
حماية كبار السن والأشخاص الأكثر عرضة للخطر
ولا تقل عن ذلك أهمية الخدمات التي يعتمد عليها كبار السن والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة. فقد لا تكون المشكلة في معرفة وجود موجة حر، وإنما في القدرة على الوصول إلى مكان آمن أو الحصول على المساعدة عند الحاجة. ولهذا ينبغي أن تتجاوز التوعية مجرد نشر درجات الحرارة، لتوضح للناس ما الذي ينبغي فعله، ومتى يطلبون المساعدة، وأين يجدونها.
إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال أثناء موجات الحر
ومن واقع الاهتمام بإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال، أرى أن المؤسسات تحتاج إلى اختبار قدرتها على التعامل مع أكثر من مشكلة في الوقت نفسه. فوجود خطة للتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة لا يضمن نجاحها إذا تعطلت وسائل الاتصال أو ارتفع الطلب على الكهرباء أو غاب عدد من العاملين نتيجة ظروف صحية طارئة.
التمارين العملية تكشف نقاط الضعف قبل وقوع الأزمات
وتبرز هنا قيمة التمارين العملية التي تجمع الجهات المعنية بالخدمات الأساسية. فهي تساعد على اكتشاف التعارض بين الإجراءات، وتحديد المسؤوليات، ومعرفة الموارد التي قد تصبح غير كافية قبل أن تواجه المؤسسات موقفًا حقيقيًا.
المراجعة الدورية لتحسين الاستعداد للمواسم المقبلة
كذلك ينبغي أن تصبح المراجعة الدورية جزءًا من العمل المعتاد. فبعد كل موسم شديد الحرارة، يمكن تقييم البلاغات والأعطال ومعدلات الضغط على الخدمات والملاحظات الواردة من الميدان. والغاية ليست إعداد تقرير إضافي، بل الوصول إلى قرارات واضحة بشأن ما يحتاج إلى تحسين قبل الموسم التالي.
التخطيط الحضري ودوره في تقليل التعرض للحرارة
أما على مستوى التخطيط الحضري، فإن توفير الظلال، وتحسين تصميم المباني والأماكن العامة، والعناية بالمساحات الخضراء ووسائل النقل، كلها عناصر تسهم في تقليل التعرض للحرارة وتخفيف بعض الأعباء على الخدمات. وهذه التدابير تحتاج إلى نظرة طويلة المدى تتكامل فيها الاعتبارات الصحية والهندسية والاقتصادية.
استمرارية الخدمات وحماية السكان في الظروف الصعبة
إن مواجهة الحرارة الشديدة لا تتوقف عند قدرة الإنسان على تحمل يوم حار، بل تمتد إلى قدرة المدينة على مواصلة خدماتها وحماية سكانها في الظروف الصعبة.
ولذلك فإن السؤال الأهم ليس عن درجة الحرارة التي قد نسجلها خلال الصيف المقبل، وإنما عن الإجراءات التي سنكون قد أنجزناها قبل وصولها.
نبذة عن الكاتب
عبدالله سعيد الحبسي
كاتب وباحث إماراتي متخصص في الأمن والتراث والمخاطر وغرف العمليات
عضو معهد القيادة البريطاني


آخر فيديو
تابع معنا تحليل قراءة الصحف اليومية مع الكاتب الصحفي هاني سلام عبر