عاجل

الشكوى التي عادت باسم جديد

عبدالله سعيد الحبسي 

حين تنتهي الشكوى على النظام ولا تنتهي المشكلة

يتقدم مواطن بشكوى عن خلل في خدمة، فيحصل على رقم مرجعي ورسالة تفيد بأن طلبه قيد الدراسة. تمر أيام، ثم يتلقى ردًا مختصرًا يشير إلى أن المعاملة أُغلقت أو أُحيلت إلى قسم آخر. وبعد فترة تظهر المشكلة ذاتها، فيضطر إلى تقديم شكوى جديدة، كأن شيئًا لم يحدث من قبل. في التقارير قد تبدو الشكوى الأولى منتهية، لكنها في حياة صاحبها لم تنتهِ.

الحر الشديد ليس مشكلة الطقس وحده

هذه الظاهرة تستحق الاهتمام لأنها تكشف فرقًا بين إدارة الشكاوى وإدارة الأسباب التي تنتجها. فالتعامل الجيد مع المتعامل يبدأ بالرد عليه، لكنه لا يكتمل بمجرد الرد. إذا بقي مصدر الخلل قائمًا، فإن المؤسسة لا تعالج المشكلة بقدر ما تعيد تدويرها بين الإدارات والقنوات.

الشكاوى المتكررة تكشف خللًا أكبر

يمكن ملاحظة ذلك في خدمات كثيرة: انقطاع يتكرر، أو إجراء يتعطل عند مرحلة بعينها، أو معلومة خاطئة تتكرر على الشاشات، أو موظف يضطر إلى تصحيح البيانات بالطريقة نفسها كل أسبوع. قد يكون كل بلاغ صغيرًا منفردًا، لكن اجتماع البلاغات يرسم صورة أكبر عن خلل يحتاج قرارًا إداريًا أو تعديلًا تقنيًا.

تكرار الشكوى مؤشر على ضعف معالجة السبب الجذري

من منظور إدارة المخاطر، تكرار الشكوى مؤشر مبكر على ضعف معالجة السبب الجذري. والسؤال لا ينبغي أن يقتصر على عدد البلاغات التي أُغلقت خلال الشهر، بل يجب أن يشمل عدد المشكلات التي عادت، وكلفة تكرارها على المتعامل والمؤسسة، والمدة التي استغرقها الوصول إلى حل لا يحتاج معه المواطن إلى البدء من جديد.

مؤشرات الأداء ومسؤولية الإدارات

وقد تنشأ المشكلة من طريقة تقييم الأداء نفسها. إذا كوفئ الفريق على سرعة إغلاق التذاكر، فسوف ينشغل بإغلاقها حتى إن لم تكن لديه صلاحية لمعالجة السبب. وإذا كانت المسؤوليات موزعة بين أقسام مختلفة، فقد لا يشعر أي قسم بأنه مسؤول عن النتيجة النهائية. وهكذا يتحول المتعامل إلى منسق غير رسمي بين الجهات، يحمل أرقام المعاملات ويعيد شرح القصة مرارًا.

قياس الأثر الحقيقي بدلًا من سرعة إغلاق البلاغات

الحل ليس في إلغاء مؤشرات السرعة أو التقليل من قيمة الردود الإلكترونية، فهي أدوات مفيدة. لكنه في استكمالها بمقاييس تتصل بالأثر الحقيقي: هل عادت الخدمة إلى العمل؟ هل اختفى سبب الشكوى؟ هل احتاج المتعامل إلى فتح بلاغ آخر؟ وهل راجعت المؤسسة البلاغات المتشابهة لتتعلم منها بدل أن تتعامل مع كل واحدة بمعزل عن الأخرى؟

مسار واضح للتصعيد وحفظ تاريخ الشكوى

ومن المهم كذلك توفير مسار واضح للتصعيد لا يضطر فيه صاحب الشكوى إلى إعادة سرد تفاصيله في كل مرة. فالنظام الرقمي الذي يحتفظ بالاسم ورقم الهاتف، ينبغي أن يكون قادرًا على حفظ تاريخ المشكلة وما تم فيها من قرارات، مع حماية خصوصية صاحبها وإتاحة المعلومات لمن يحتاج إليها لإنجاز المعالجة.

دور الموظفين في اكتشاف الشكاوى المتكررة

أما الموظفون العاملون في استقبال البلاغات، فهم مصدر مهم للمعلومات. يعرفون الشكاوى التي تتكرر بألفاظ مختلفة، ويستطيعون الإشارة إلى الخطوة التي يتوقف عندها الحل. وإذا سُمح لهم برفع هذه الملاحظات إلى من يملك قرار التغيير، أصبحت الشكوى فرصة لتحسين الخدمة، لا مجرد عبء إضافي على مركز التواصل.

الإنجاز الحقيقي هو منع تكرار المشكلة

إن المؤسسة التي تستفيد من شكوى واحدة لتمنع عشر شكاوى لاحقة تحقق قيمة أكبر من مؤسسة تغلق عشر شكاوى وتترك أسبابها قائمة. فالإنجاز الحقيقي لا يظهر في لون المؤشر على لوحة الأداء، وإنما في حياة الناس بعد أن تنتهي المشكلة.

ليس المطلوب أن يخلو كل نظام من الأخطاء، فهذا أمر يصعب ضمانه. المطلوب ألا يعود الخطأ نفسه إلى المواطن في كل مرة باسم جديد ورقم مرجعي جديد.

عبدالله سعيد الحبسي | كاتب وباحث في الأمن والتراث والمخاطر وغرف العمليات

عايز موقع بجودة موقع المجلة العلمية اهرام؟ اطلب تصميم موقعك الآن عبر واتساب
هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 5   +   8   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة