كتب: رودي نبيل
حين يطلق أحد رجال الصناعة في منتدى مصر جملة بحجم “مش هنلاقي حد نشغله”، فهل يمكن أن نعتبرها مجرد مبالغة؟ أم أنها قراءة واقعية لما قد يحدث إذا ظلت الفجوة قائمة بين ما يتعلمه أبناؤنا في التعليم الفني وما يحتاجه سوق العمل فعلًا؟
لقد توقفت كثيرًا أمام هذه الجملة التي قالها المهندس أحمد في منتدى مصر 2026، فهي لا تصف أزمة وظائف، بل تصف أزمة مهارات. فكيف يمكن لمصنع أن يتوسع أو لشركة أن تنتج إذا كانت لا تجد فنيًا مؤهلًا، أو كهربائيًا مدربًا، أو سباكًا يمتلك المهارة الحقيقية؟ وهنا تكمن خطورة التحذير، فهو يمس مستقبل الإنتاج والاستثمار معًا.
التعليم الفني.. أزمة مهارات لا وظائف
وأنا هنا أتفق تمامًا مع ما طرحه، وأدعم رؤيته بقوة، لأنها تنبع من احتكاك مباشر بسوق العمل. فالتعليم الفني لم يعد مسارًا ثانويًا، بل هو العمود الفقري لأي نهضة صناعية. وإذا كان الطالب يدرس مناهج نظرية قديمة بينما المصنع يعمل بماكينات رقمية وأنظمة ذكاء اصطناعي، فمن الطبيعي أن تتسع الفجوة. إن سوق العمل اليوم لا يبحث عن شهادة، بل يبحث عن مهارة قابلة للتطبيق فورًا.
جهود تطوير التعليم الفني في مصر
ومن الإنصاف هنا أن نشيد بجهود وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني مؤخرًا في هذا الملف، فهناك توجه واضح للنهوض بالتعليم الفني من خلال التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية، وربطها بالشركات والمصانع، وتطوير المناهج القائمة على الجدارات، وهو توجه يستحق كل التقدير لأنه يضعنا على بداية الطريق الصحيح.
ماذا نتعلم من التجارب العالمية؟
وقد أحسن المهندس أحمد حين استشهد بثلاث تجارب عالمية، وهي تجارب ملهمة لكنها تحتاج إلى قراءة مصرية واعية. فتجربة سنغافورة في SkillsFuture «مهارة المستقبل»، وهي فكرة التعلم مدى الحياة وعدم الاكتفاء بالشهادة المدرسية، من خلال التعليم المصغر Micro-learning «التعلم في جرعات قصيرة عبر المنصات الرقمية»، فكرة ممتازة وتناسب مصر جدًا إذا تم تعميمها عبر منصات مجانية للطلاب والخريجين.
أما تجربة كوريا الجنوبية في ربط المدرسة الفنية بالمصنع مباشرة، فهي الأكثر قابلية للتطبيق عندنا، لكنها تحتاج إلى بنية تحتية وتدريب معلمين بشكل مكثف. وتجربة إستونيا في دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، وهي فكرة عبقرية، لكنها تحتاج إلى استعداد رقمي في مدارسنا وطلابنا ومعلمينا قد لا يتوفر بالقوة نفسها في كل المحافظات، لذا لا يمكن استنساخها كما هي، بل يجب تكييفها حسب ظروف كل بيئة.
خطوتان عمليتان لتطوير التعليم الفني
ومن هنا، وبرجاء ومراعاة للواقع، أرى أن هناك خطوتين عمليتين قابلتين للتنفيذ فورًا:
أولًا: شراكة مباشرة بين المصانع والمدارس الفنية
أن يتبنى كل مجمع صناعي أو مصنع كبير مدرسة فنية مجاورة له، ويشارك في كتابة جزء من منهجها العملي، ويستقبل طلابها للتدريب الحقيقي، لا التدريب الصوري. فهذا يضمن أن يتعلم الطالب على ما يحتاجه المصنع فعلًا. وهناك بالفعل نماذج قائمة، مثل «إيجيبت جولد»، لكن المقصود هو تعميم التجربة بشكل أوسع، تحت عين وإرشاد الوزارة.
ثانيًا: نقل خبرات أصحاب المهن إلى الطلاب
أن يتم تخصيص ساعة أسبوعيًا في المدارس الفنية يأتي فيها فني ماهر أو ولي أمر حرفي ماهر ليحكي للطلاب عن مهنته وتحدياتها وأسرارها، فهذا يزرع الاحترام للمهنة ويكسر الصورة النمطية السلبية عن التعليم الفني.
التعليم الفني بوابة للرزق والكرامة والتنمية
إن كلمة المهندس أحمد لم تكن تشاؤمًا، بل كانت دعوة صادقة لإعادة الاعتبار للتعليم الفني باعتباره بوابة حقيقية للرزق والكرامة والتنمية. فهل نستثمر هذا التحذير لنصنع مسارًا يجد فيه كل طالب ماهر فرصة عمل كريمة، وتجد فيه كل شركة فنيًا يرفع إنتاجها؟

آخر فيديو
The Most Annoying Neighbor in This San Antonio Subdivision Is a Leaking Oil Well