الاستثشفاء والبيوت الطينية

كتب : اللواء مجدى الشرقاوي

تُعَدُّ مادة الطين من أقدم مواد البناء التي عرفها الإنسان واستخدمها في البناء ، وتمتاز هذه المادة بالعديد من الإمكانات والمميزات المهمة ، كما أنها لا تخلو من بعض العيوب أو المعوقات ، التي يجب مراعاتها والعمل على الحدِّ منها ، وقد تنوعت طرق استخدام هذه المادة في البناء في الماضي والحاضر تنوعاً كبيراً ، استجاب للمحددات البيئية ؛ كالمناخ ونوعية التربة والمواد المتوفرة من جهة ، ونوعية الخبرات المتوفرة من جهة أخرى .
وقد حفلت هذه المادة في الوقت الحاضر باهتمام كبير أضحت حلاً للعديد من المشكلات في العالمين الصناعي والنامي على حد سواء . فهناك مشاكل الطاقة والتلوث في العالم الصناعي ، وهناك مشاكل الإسكان والبطالة في العالم النامي. وتهدف هذه الدراسة إلى استعراض أبرز طرق الإنشاء بالطين ، في العالمين العربي والغربي ، قديماً وحديثاً. كما تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على هذه المادة وذلك بإبراز أهم مميزاتها التي جعلتها تحظى بهذا الاهتمام ، وتوضيح عيوبها التي حَدَّت من استخدامها على نطاق واسع في الوقت الحاضر. وتختتم هذه الدراسة بالإشارة إلى أهم محاور تطوير هذه المادة وذلك حتى يتسنى الاستفادة منها بشكل أكبر في عمارة الحاضر والمستقبل .
لقد شاع استخدام الطين مادةً للبناء في معظم بلاد العالم ، خصوصاً في المستوطنات العمرانية ، التي تقع بالقرب من بطون الأودية ومجاري الأنهار وفي سفوح الجبال ووسط الواحات وغيرها
من المناطق التي تتوفر فيها التربة المناسبة ، فمنذ أن استقر الجنس البشري في المستوطنات القروية قبل ما يقرب من (10.000) سنة ، كان الطين من أبرز المواد التي استخدمها الإنسان في بناء المأوى ، الذي يحميه من المؤثرات البيئية المختلفة ، ومن الحيوانات المفترسة ، وهجمات الأعداء وغيرها .
لقد كانت مادة الطين في العصور القديمة تستعمل على نطاق واسع ، في حضارات ما بين النهرين ، وفي مصر ، وفي وقت لاحق استعملها الرومان وشعوب الشرق الأوسط ، والهند ، وأباطرة الصين . وخلال العصور الوسطى كان البناء بالطين لا يمارس في أوروبا فحسب ، بل كان يمارس أيضا في أمريكا الشمالية ، من قبل الهنود ، وفي المكسيك ، وفي منطقة جبال (الإنديز) . وكان هذا الفن المعماري يمارس في حضارات متنوعة بأفريقيا ، مثل حضارات البربر والهوسا وغيرهما. وفي الوقت الحاضر لا يزال يعيش أكثر من ثلث سكان العالم في مساكن طينية( ) ، وعلى أية حال فان البقايا الأثرية للعديد من المدن والقرى ، في المناطق المختلفة من العالم ، هي خير شاهد على ما كانت تحظى به هذه المادة من أهمية ، في بناء تلك المستوطنات التي بُنِيَ معظمها بالطين الخام غير المحروق ، فمنها على سبيل المثال مدينة أريحا في فلسطين ، والتي تُعَدُّ أقدم مدينة في التاريخ .
إن التطور الكبير الذي شهده العالم ، خلال النصف الأخير من القرن العشرين ، في إنتاج مواد البناء الحديثة ، وطرق المواصلات والاتصالات ، بشكل لم يسبق له نظير من قبل ، كان له أثره الكبير في الحد من استخدام مواد وطرق الإنشاء التقليدية في كثير من البلدان . إلا أن البناء بالطين الخام ما زال يحتفظ بشعبيته في العديد من المدن والمناطق الحضرية خصوصاً في بلدان العالم النامي في القارة الإفريقية ، وذلك لما تتمتع به هذه المادة من المميزات العديدة ، التي من أبرزها : وفرتها في غالب مواقع التنفيذ ، ورخص سعرها . أما في المناطق الريفية فما زالت عمارة الطين شائعة في كثير من البلدان ؛ في أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ، وبصورة أقل في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا .
وبالرغم من تعدد استخدامات الطين – ومادته الأصلية وهي التراب – قديماً في بناء العديد من المنشآت العمرانية ، كالأسوار والأهرام وأبراج المراقبة ودور العبادة ؛ من مساجد وغيرها، واستخدامها حديثاً في بناء السدود ، ومهابط الطائرات ، وطرق الإمداد ، ومهاجع الجند ، كما فعل الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية ، إلا أن الاستخدام الغالب لهذه المادة يبقى في أغراض البناء والتشييد – قديماً وحديثاً – هو في بناء المساكن ، حيث أظهرت مادة الطين وما تتمتع به من خصائص شخصيةَ المجتمعات المختلفة في النواحي الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة وغيرها ، من خلال عمارة بسيطة ومتميزة ، استجابت للتفاوت الكبير في المناخ والظروف البيئية المختلفة ، من بلاد الصين شرقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية غرباً ، ومن البلدان الاسكندافية شمالاً إلى أمريكا اللاتينية جنوباً .
إن المتأمل بشكل سريع لبعض المشروعات الحديثة المشيدة بالطين ، يتبادر إلى ذهنه أن هذا الأسلوب من البناء يُعَدُّ فكرة جديدة ، ويغيب عن ذهنه أن تاريخ هذا الفن المعماري يعود إلى أكثر من 10 آلاف سنة خلت – كما سبق الإشارة إلى ذلك – ولا يزال مستمرًا حتى أيامنا هذه ؛ إذ نجد بصماته واضحة جلية في أنحاء العالم كافة ، وفي مجمل الحضارات التي تميزت بالأبنية الرائعة الخلابة سوءًا في المدن أو القرى في القارات الخمس كافة ، إَلاَّ أنَّ أروع ما تمَّ من إنجازات قد تمَّ تحقيقه منذ أقدم العصور في منطقتين في العالم هما : البلاد العربية والبلاد الغربية

 

عن هاني سلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *