أ.د الهلالي الشربيني
أ.د الهلالي الشربيني

مستقبل جامعات الشركات في مصر إلى أين؟! (١ / ٢)

بقلم : د. الهلالى الشربينى الهلالى 

 

نحن نعيش منذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي فى ظل نظام عالمي جديد يعتمد بشكل متزايد على رأس المال البشري باعتباره مفتاحًا للنمو وتمايز الأعمال، إنه نظام ديناميكى متغير، لا شيء فيه ثابت أو دائم، مما يحتم ضرورة تجديد المعرفة وتطويرها وإعادة تعديلها بشكل مستمر يسمح بابتكار معارف ومهارات جديدة واستيعابها وتوظيفها؛ إنه نظام صنعته ثورات تكنلوجية ومعلوماتية غير مسبوقة جعلت للمعرفة والمعلومات دورًا كبيرًا في الاقتصاد، فبات يفرز للبعض مكاسب هائلة وللبعض الآخر آزمات طاحنة وتحديات متنوعة؛ حيث باتت المعرفة هي المحرك الجوهرى للميزة التنافسية في اقتصاديات معظم الدول ، ومن هنا فقد فرض التحول إلى اقتصاد المعرفة عديدًا من التحديات على المؤسسات التعليمية عامة ومؤسسات التعليم الجامعي خاصة، تمثلت في ضرورة التوظيف المكثف لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتحول من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها ونقلها وتطويرها واستثمارها.

 

ويمكن إجمال التحديات التى أفرزها النظام العالمى الجديد وتركت انعكاسات جد خطيرة على مؤسسات التعليم بصفة عامة -ومؤسسات التعليم الجامعى بصفة خاصة- فيما يلي:

 

– تطور عالمى علمي وتكنولوجي ومعلوماتي هائل، وإنتاج رأسمالي ضخم، وترسخ لمفهوم العولمة، واقتصاد المعرفة.

 

– عدم قدرة كثير من مؤسسات التعليم الجامعي على مواكبة ما يحدث فى العالم من تطورات علمية وبحثية وتكنولوجية واقتصادية غاية فى الأهمية.

 

– تصاعد حركة التنافسية الدولية، وصدور تقاريرها بشكل منتظم، والاعتداد بنتائجها من قبل القوى التى تقود حركة الاقتصاد والعولمة والهيمنة والسيطرة فى العالم، وضعف تنافسية كثير من الجامعات فى السوق العالمي بسبب ضعف المخرجات الناتجة عنها.

 

– تطور دور التكنولوجيا فى عمل المؤسسات التعليمية، حتى أنه لم يعد يقتصر على تسجيل البيانات، وتحليل المعلومات، وتنفيذ العمليات، وإنما صار يدير المؤسسة إدارة شبه كاملة.

 

– التحول نحو التعليم الرقمى وما فرضه على مؤسسات التعليم من تحديات، ربما يكون أهمها ما يتعلق بتأهيل المعلمين، وإكسابهم القدرات والمهارات التى تمكنهم من استيعاب تكنولوجيا التعليم الرقمى فى ظل انتشار الأمية الرقمية.

 

زيادة التوجه نحو خصخصة مؤسسات التعليم، ومن ثم تحويل التعليم إلى سوق مفتوح لدخول منافسين وموردين جدد محليين ودوليين، الأمر الذي أدى إلى احتدام المنافسة بين مؤسسات التعليم الحكومي والدولي والخاص.

 

– تنامي دور رأس المال الفكري والمعرفي فى تعزيز القدرة الاقتصادية للدول، الأمر الذي دفع بالكثير منها إلى تبني مدخل اقتصاد المعرفة سعيًا إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام والدخول فى معترك التنافسية الدولية، وذلك من خلال امتلاك أفضل المختبرات والاستحواذ على أفضل العلماء والباحثين والمبتكرين.

 

– تحرير تجارة الخدمات  بعد  صدور الاتفاق العام بشأن تجارة الخدمات المعروف اختصارًا  باتفاقية الجاتس ( GATS )، وسريان مفعوله ابتداءً من يناير 1995؛ حيث أدت هذه الاتفاقية إلى ظهور مناخ عالمي جديد يسمح بحرية انتقال العمالة  وتبادل البرامج والخبرات بين الدول والمجتمعات،  الأمر الذى جعل  لزامًا على مؤسسات التعليم بصفة عامة ومؤسسات التعليم الجامعي والعالي بصفة خاصة  – باعتبارها من ركائز التنمية  الاجتماعية والاقتصادية والثقافية  فى أي مجتمع من المجتمعات – أن تسعى فى كثير من دول العالم وبصفة خاصة دول العالم الثالث  إلى ابتكار أنماط من التعليم تتسم بالدولية وبالقدرة على استيعاب عناصر ومكونات الثقافات المختلفة وتقديمها للطلاب كي تكون بمثابة المعبر الآمن للدخول فى العولمة دون الذوبان فيها.

 

وفى ظل الوضع الذي أوجدته الاتفاقية المشار إليها أصبح التعليم  قضية من القضايا التى تختص بها تلك الاتفاقية ، وتأسيسًا على ذلك  أصبحت الخدمات التعليمية تتداول فى الأسواق الحرة ، وأصبحت هناك معارض دولية تعقد بشكل منتظم فى كثير من الدول لهذا الغرض ، كما أصبح هناك موردون للتعليم بكل مستوياته عبر الحدود الدولية لتلبية احتياجات الدول الأخرى ، وتعددت نماذج توريد الخدمات التعليمية ؛ حيث أصبحت تشمل البرامج الدراسية الجديدة ، وفروع الجامعات، والمناهج ، وبرامج التدريب ، وبنوك الامتحانات والتقويم، ودراسة الطلاب بالخارج، وتبادل الأساتذة ،والمشروعات المشتركة، والجامعات الافتراضية ، وغير ذلك من خدمات تشمل تمكين طالب الخدمة من الاطلاع على عروض الدراسة فى مختلف الجامعات العالمية، ومعرفة تكلفة الدراسة، وكيفية السفر والإقامة، هذا بالإضافة إلى سوق العمل بالنسبة لكل تخصص من التخصصات المختلفة، مما يعطيه الفرصة للمقارنة والانتقاء قبل الالتحاق بأى منها .

 

وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت في السنوات القليلة الماضية في مصر من أجل تطوير التعليم الجامعي وتوفير الخريجين المؤهلين للوفاء باحتياجات سوق العمل المحلي والإقليمي والدولي، إلا أن كثيرًا من التحديات مازالت تواجه هذا التطوير وتحد من انطلاقه، نذكر منها: زيادة معدل الطلب على الالتحاق بالجامعات وعدم قدرتها بصيغها التقليدية الحالية على مواجهة هذا الطلب المتزايد بما يتوافق مع الخصائص والمهارات التي يتطلبها سوق العمل ، ووجود خلل في قانون العرض والطلب بسوق العمل بسبب وجود وفرة في الخريجين من تخصصات معينة مع وجود عجز شديد في تخصصات أخرى جديدة أفرزتها ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وباتت تتحكم في توجهات سوق العمل وتحقيق ميزات تنافسية للمؤسسات لتي تمتلك القوى العاملة المؤهلة والقادرة على تشغيلها وإدارتها، وتركيز معظم مؤسسات التعليم الجامعي على الجوانب النظرية وأساليب التلقين دون التدريب والنواحي التطبيقية والعملية، وحصر دور الطالب في الحفظ والتذكر دون التعمق في فهم مضمون التعلم، واعتماد كثير من الجامعات بشكل جوهري على التمويل الحكومي فقط، الأمر الذى يحد من قدرتها على تحقيق أهدافها المستقبلية المرجوة بكفاءة وفعالية.

 

وقد أدت هذه التحديات وغيرها إلى انخفاض كفاءة مخرجات الجامعات المصرية والحد من قدرتها على تلبية احتياجات سوق العمل الجديدة والمتجددة التى أفرزتها متغيرات العصر من انفجار معرفي وثورات علمية وتكنولوجية وتغيرات اقتصادية، وزيادة في حدة المنافسة مع الجامعات الإقليمية والعالمية. ولمواجهة هذه الظاهرة بات من الضرورى تطوير مؤسسة التعليم الجامعي والعالي الموجودة أو ابتكار أنماط جديدة تحقق كفاءة عالية وقدرة على تلبية احتياجات سوق العمل، وتقوي الاقتصاد، وتزيد من القيمة المضافة التي يحققها رأس المال البشري، وذلك من خلال تحويل ما تمتلكه هذه المؤسسات من قدرات تنافسية إلى ميزات تنافسية.

 

وفى هذا السياق توجهت كثير من دول العالم المتقدم إلى استحداث ما يسمى بجامعات الشركات، وكانت بدايات هذه الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية ومن بعدها اليابان وانجلترا وفرنسا وألمانيا والصين والبرازيل وماليزيا وجنوب أفريقيا، ثم انتشرت بعد ذلك في كل دول العالم، وصار لها منظمات تسهم في تطويرها وتقوية الصلة بينها وبين سوق العمل مثل الرابطة العالمية لجامعات الشركات، والمجلس العالمي لجامعات الشركات، وغالبًا ما يُنظر إلي هذا النموذج من الجامعات على أنه جاء ليحل محل أقسام التدريب والتعليم في الشركات ، إلا أن الواقع يؤكد أنه يمثل تحولًا جوهريًا عن المنهج التقليدي المتبع في التعليم والتدريب، من منطلق أن جامعة الشركة من المفترض أنها تمتلك بعدًا استراتيجيًا يرتبط باستراتيجية الشركة الأم ويتوافق مع احتياجاتها ويعمل على تحقيق أهدافها، وبالإضافة إلى ذلك لا يقتصر دورها على دعم التعلم داخل الشركة ، وإنما يعمل على توسعته ليشمل تثقيف الآخرين ضمن سلسلة القيمة للشركة.()

 

وإذا كان واقع جامعات الشركات على المستوى الدولي يوضح أنها تمثل أحد أنماط التعليم الجامعي المعاصرة التي تسعى إلى مساعدة المجتمعات ومؤسسات الأعمال على الاستجابة للتغيرات التكنولوجية والاقتصادية المتلاحقة من خلال ربط التعليم بالعمل عبر الجمع بين تدريس الخبرات النظرية وإكساب المهارات العملية والتطبيقية والاعتماد على مبدأ التعلم مدى الحياة، فإن الواقع يؤكد أن هناك صعوبة في تحديد مفهوم قاطع لهذه النوعية من الجامعات نظرًا لتعدد الأنماط التي تتخذها والتعريفات التي تتناولها ، الأمر الذى دفع بكثير من الباحثين إلى الإشارة إليها من خلال المفهوم الموجود فى قاموس أكسفورد والذى يعرفها على أنها مؤسسة تعليمية للطلاب يتم تصميمها بغرض التعليم أو الرقابة أو كليهما معاً في كثير من فروع المعرفة المتقدمة، ومنح درجات علمية لمختلف الكليات والمؤسسات المشابهة.

 

وإجمالا يمكن القول بأن جامعات الشركات تعتمد فى برامجها على سياق المهارات واحتياجات العمل المحددة وعلى التوجه الاستراتيجى للشركة، وهذا يتوقف على المهارات المطلوبة، سواء كانت مهارات عامة، أو بها نوع من الخصوصية، أو مهارات تشغيلية، أو استراتيجية، وتقوم الشركات بمراعاة كل المهارات بشكل متساو، وتعمل على تحقيق التناسق والتوفيق فيما بينها بهدف تحقيق النجاح عن طريق بناء القدرات والمهارة لكافة المستويات الوظيفية بالشركة؛ بحيث تصبح مترابطة ومتشابكة فيما بينها. ومن هنا يتضح أن هذه الجامعات تمثل المصدر الرئيس للتغيير بالشركات التي تتبعها لكون جميع برامجها تتمركز حول احتياجات العمل المحددة للشركات ولكونها تركز على نقل المعرفة وممارستها وإدارتها داخل الشركة  (.(

 

ويمكن تعريف جامعات الشركات بصفة عامة إجرائيا بأنها مؤسسة تعليمية تنشئها وتديرها إحدى القطاعات أو الشركات التابعة للقطاع الحكومي أو الخاص أو حتى الجامعات الحكومية، بهدف تنفيذ استراتيجية الشركة وتحقيق أهدافها الاستراتيجية وإكسابها ميزة تنافسية، من خلال نشر المعرفة القائمة وابتكار معارف جديدة وتقديم خدمات تعليمية وبحثية وتدريبية لتحسين مهارات منتسبيها من داخل الشركة ومن خارجها في مجالات عمل الشركة المختلفة وفقا لمتطلبات سوق العمل المحلي والإقليمي والدولي، ومستحدثات العصر التى أفرزتها وما زالت تفرزها ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات.

 

ووفقا لما انتهى إليه  Tuttle      &   Young 1969 فإن مفهوم جامعات الشركات ظهر للمرة الأولى فى شركة جنرال موتورز فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1919، وكان المفهوم يدور حول فكرة إعادة البناء والهيكلة للشركة بالتوازي مع استمرار العمل داخلها فى نفس الوقت ، وجعل المعرفة قابلة للنقل وتكوين سمعة طيبة تتعلق بالتميز، ومن ثم فإن معهد جنرال موتورز الذى أنشئ في عام 1927يعد أول جامعة شركة.() إلا أن هذا المصطلح ظل غير معروف حتى تم استخدامه من قبل شركة Motorola ، وتأسيس جامعة ديزني ومعهد تطوير الإدارة التابع لشركة جنرال إلكتريك في خمسينيات القرن الماضى، وجامعة همبورجر في الستينيات من ذات القرن ، ثم انتشرت جامعات الشركات  بشكل ملحوظ في تسعينيات القرن الماضي، ومع تطبيق مبادئ اتفاقية التجارة العالمية على الخدمات وبدء عولمة الاقتصاد عقب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتى السابق، وانتشار الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات التى تسعى إلى نشر مبادئها وترسيخ ثقافتها بين الشركات المشتركة وفروعها، ، والسماح بحرية انتقال العمالة بين الدول، تحولت فكرة انتشار جامعات الشركات إلى فكرة عالمية، وأصبح هناك حاليًا أكثر من 4000 شركة على مستوى العالم بها جامعات شركات .

 

والواقع أن هناك عوامل أخرى كثيرة ساعدت على ظهور هذه الجامعات وانتشارها وترسخ دورها في تنمية الاقتصاد وتحقيق أهداف وتنافسية الشركات التي أنشأتها، نذكر منها : عدم قدرة الجامعات التقليدية على تخريج قوى عاملة مؤهلة ومدربة تلبي احتياجات سوق العمل المتغيرة، وتركيزها الضيق على التدريب القائم على تنمية مهارات الموظفين بدلاً من توفير تعليم لهم يتطور مع الاحتياجات المتغيرة ويعزز النجاح المستمر للشركة، وظهور اقتصاد المعرفة ، وانهيار التنظيم الهرمي للشركات وتسارع وتيرة إعادة هيكلتها، هذا بالإضافة إلى الزيادة المطردة فى استخدام تكنولوجيا الاتصالات وفعالية تطبيقها فى التدريب والتطوير، وعدم رضا مؤسسات الإنتاج عن مؤهلات خريجي الجامعات القائمة وحاجتها إلى قوى بشرية تتمتع بمهارات تتطلبها الأعمال الجديدة ، وتستبدل التعليم الذي يتمركز حول المنهج بالتعليم الذي يتمركز حول العمل والأداء والنتائج والابتكارات والجودة ويهتم بالتعليم المهنى بمساراته المتعددة .

عن هاني سلام

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: