بقلم الخبير التربوي
الدكتور ناصر الجندي
في كل صيف، ومع دقات الساعة التي تعلن ظهور نتيجة الثانوية العامة، تبدأ مشاهد درامية في كل بيت: فرح عارم هنا، دموع هناك، وأعصاب مشدودة في كل مكان. تتعالى الأصوات: “جاب كام؟”، “هيدخل إيه؟”. وكأن حياة الشاب أو الفتاة اختُصرت في رقمين على ورقة، وكأن مستقبلهم تقرر في لحظة واحدة.
لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها – مهما كانت النتيجة – أن هذه الدرجة ليست قدرًا مكتوبًا لا يتغير. ليست جواز مرور وحيد للنجاح، ولا هي حكم بالإعدام على الأحلام. النتيجة مجرد محطة في طريق طويل، وأحيانًا، الطرق التي لا نتوقعها هي التي تقودنا إلى القمم.
“كلية القمة”… وهم أم حقيقة؟
مجتمعنا يحب فكرة “كليات القمة” وكأنها أندية خاصة لا يدخلها إلا الصفوة، بينما الواقع يثبت أن القمة ليست مكانًا ثابتًا، بل مساحة متحركة يصنعها الإبداع والاجتهاد.
كم من خريج طب أو هندسة ظل اسمه غائبًا لأنه لم يحب ما يفعله، وكم من خريج تربية أو زراعة أو آداب أصبح علامة بارزة في مجاله لأنه أحب ما يعمل وأتقنه حتى صار مرجعًا.
الأمر يشبه تسلق جبل: بعض الناس يبدأون من طريق قصير وممهد، والبعض الآخر يبدأ من وادٍ بعيد، لكن من يواصل الصعود بإصرار يصل للقمة، حتى لو بدأ من الأسفل.
النجاح لا يسأل عن شهادتك
سوق العمل لا يضع صورتك مع شهادة التخرج على الحائط ليقرر قيمتك. لا أحد يشتري منتجك أو يحترم إنجازك لأنك فقط خريج “كلية القمة”. الناس تتعامل معك بناءً على ما تقدمه الآن، على مهاراتك، على قدرتك على التطوير، وعلى أخلاقك في التعامل.
وهذا هو السر الذي لا يخبرونك به في المدرسة: التعليم الحقيقي يبدأ بعد التخرج، حين تختار أن تتعلم من الحياة، من التجربة والخطأ، من البحث المستمر، ومن الاحتكاك بالآخرين.
قصتك لم تُكتب بعد
لو مجموعك جاب الكلية اللي كنت بتحلم بيها، فمبروك، واعتبر ده بداية لمشوار أكبر. ولو ما جابش، لا تحزن… لأن القصة لم تنتهِ. أنت لسه في أول فصل، واللي جاي أهم.
ربما تدخل كلية لم تخطر على بالك، وتكتشف فيها شغفًا يغير حياتك كلها. وربما تدفعك النتيجة لفتح مشروعك الخاص أو دخول مجال إبداعي لا يُدرّس في الجامعات أصلاً.
التاريخ مليء بأسماء ناس بدأوا من أماكن عادية جدًا، لكنهم صعدوا حتى صاروا أساطير في مجالاتهم: مخترعين، كتاب، فنانيين، رواد أعمال… لم يسألهم أحد عن مجموعهم، بل عن أثرهم.
القمة ليست مكانًا… القمة أنت
في النهاية، القمة ليست كلية، ولا وظيفة، ولا لقب. القمة هي أن تعيش حياة تشعر فيها بالرضا عن نفسك، وأن تترك أثرًا حقيقيًا. هي أن تبذل جهدك كل يوم، وأن تطور نفسك باستمرار، وأن تؤمن بأنك قادر على صناعة مستقبلك، حتى لو بدأ الطريق من نقطة لم تخترها أنت.
فالنتيجة ليست نهاية المطاف… هي مجرد بداية. وأنت، وحدك، من يقرر أين ستكون قمتك، ومتى تصل إليها، وكيف تحافظ عليها.
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام