د/ محمد الجوهري يكتب:
لمحات تربوية في ذكرى ميلاد رسول الإنسانية
لم تكن ذكرى ميلاد رسولنا الكريم
” محمد صلى الله عليه وسلم” مجرد مناسبةٍ نحتفل بها، بل هي محطةٌ نتوقف فيها عند لمحاتٍ تربويةٍ عميقة، نستقي منها الدروس لنربي أنفسنا ومجتمعاتنا على القيم التي جاء بها.
فأولى هذه اللمحات: التدرج في التربية حيث لم ينزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم مرةً واحدة، بل نزل منجمًا على مدى ثلاثٍ وعشرين سنة، و كان الصحابة رضي الله عنهم يتلقون الآيات قليلةً قليلة، ليتفقهوا فيها ويعملوا بها قبل أن تأتي غيرها، و في هذا إشارةٌ واضحة إلى أن التربية تحتاج إلى صبرٍ وأناة، وأن بناء الشخصية الإنسانية لا يتم بين عشيةٍ وضحاها، بل هو مسيرةٌ مستمرة من التعلم والتطبيق.
وثانيها: القدوة العملية،فلم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مُنظّرًا يلقي الخطبَ ويؤدي الصلوات فقط، بل كان قرآنًا يمشي على الأرض،كان خلقه القرآن، يتجسد في تعامله مع زوجاته، وأصحابه، وحتى أعدائه.
وثالث هذه اللمحات: الرحمة واللين، ففي ذكرى مولده، نستحضر قوله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ” حيث كانت رحمته شاملةً للصغير والكبير، للصديق والعدو، للإنسان والحيوان. حتى في أقسى لحظات الحرب، كان يوصي بعدم قتل النساء والشيوخ والأطفال، وعدم قطع الأشجار، كان يعلم أصحابه أن القوة الحقيقية ليست في الغلظة، بل في الحزم مع الرحمة.
وهذه رسالةٌ تربويةٌ في زمنٍ طغت فيه القسوة، وهي أن نربي أنفسنا على الرحمة، وأن نكون رحماء بيننا، وبجميع مخلوقات الله.
ورابعها: التوازن بين الدنيا والآخرة: فلم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم رجلًا منقطعًا عن الدنيا، بل كان يعمل في التجارة، ويزور أصحابه، ويمازح الأطفال، ويشارك في بناء المجتمع، كل ذلك دون أن ينسى لحظةً أنه عبدٌ لله.
فعلمنا أن نعمر دنيانا دون أن نغفل عن آخرتنا، وأن نجعل من عملنا الدنيوي عبادةً نؤجر عليها.
ويعد هذا التوازن هو أساس التربية السليمة التي تنتج شخصيةً معطاءةً مستقرة.
وأخيرًا، الاهتمام بالعلم والمعرفة، فأول آية نزلت على قلب الرسول كانت “اقرأ” وفيها إعلانٌ أن رسالته قائمة على العلم والنور، وليس على الجهل والظلام. كان صلى الله عليه وسلم يشجع الصحابة على التعلم، حتى جعل فكَّ أسيرٍ من المشركين مقابل تعليم عشرةٍ من أطفال المسلمين القراءة والكتابة.
فذكرى ميلاده تذكرنا بأن أعظم استثمار هو في بناء العقل البشري وتحريره من قيود الجهل.
وفي كل مرةٍ تأتي فيها ذكرى ميلاد رسول الإنسانية، تذكرنا بأن هذه الذكرى ليست مجرد احتفالٍ ، بل هي تجديدٌ للعهد مع قيمٍ إنسانيةٍ سامية، ودعوةٌ لأن نسير على دربه، درب المحبة، والرحمة، والعدل، والعلم.
فهو النبي الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، ليكون نورًا يهدينا في ظلمات الحياة.
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام
