لغز تاريخي يجد حله في الحمض النووي
لطالما كان أصل فيروس الجدري في الأمريكتين أحد أكثر القضايا إثارة للجدل بين المؤرخين وعلماء الأوبئة. هل كان الفيروس موجوداً بالفعل بين السكان الأصليين قبل وصول المستكشفين الأوروبيين، أم أنه دخل مع السفن القادمة من العالم القديم؟ اليوم، يقدم تحليل حديث للحمض النووي المستخلص من مومياء قديمة عُثر عليها في تشيلي، دليلاً علمياً قاطعاً يضع حداً لهذا الجدل الطويل.
دليل من قلب المومياء
استخدم الباحثون تقنيات متطورة في علم الوراثة القديمة لتحليل عينات من أنسجة مومياء طفل تم اكتشافها في شمال تشيلي. كانت المفاجأة أن التحليلات أظهرت وجود آثار وراثية لفيروس الجدري (Variola virus) في العينات، لكنه كان ينتمي إلى سلالة تطورت بشكل وثيق مع السلالات التي كانت منتشرة في أوروبا خلال عصر الاستعمار. هذا الاكتشاف يؤكد أن الفيروس لم يكن جزءاً من التاريخ البيولوجي للأمريكتين قبل الاحتكاك بالأوروبيين.
تأكيد فرضية الاستعمار
يؤكد هذا البحث أن تفشي الجدري المدمر، الذي أودى بحياة ملايين السكان الأصليين بعد وصول كولومبوس، لم يكن مرضاً مستوطناً في القارة، بل كان سلاحاً بيولوجياً غير مقصود رافق وصول القوى الاستعمارية. ويوضح العلماء أن البنية الجينية للفيروس الموجود في المومياء تتطابق مع التوقيت التاريخي للبعثات الاستكشافية الأولى، مما يقطع الطريق أمام النظريات التي كانت تدعي وجود الفيروس في المنطقة منذ آلاف السنين.
أهمية الاكتشاف للأوبئة الحديثة
بعيداً عن قيمته التاريخية، يعد هذا الكشف خطوة هامة في فهمنا لكيفية تطور الفيروسات وانتقالها عبر القارات. إن دراسة الجينوم الفيروسي القديم لا تساعدنا فقط في تصحيح كتب التاريخ، بل تمنحنا رؤية أعمق حول كيفية تفاعل الجهاز المناعي البشري مع الأوبئة الوافدة، وهو أمر حيوي لدراسة التطور البيولوجي للفيروسات في العصر الحديث. بهذه النتائج، يُغلق ملف علمي شائك، مُثبتاً مرة أخرى أن العلم هو الأداة الأكثر دقة لقراءة سجلات الماضي المخفية في طيات الزمن.
بقلم: هاني سلام
المصدر: medicalxpress.com
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام

