طقوس الخوف من المجهول
في أعماق التربة البولندية، كشف علماء الآثار النقاب عن اكتشاف يجمع بين التاريخ وعلم الاجتماع والأسطورة. قبرٌ يعود لقرابة أربعة قرون، يضم رفات شابة ثرية، لكنها لم تُدفن كغيرها؛ فقد وُضع حول رقبتها منجل حاد، وعُلّق قفلٌ حديدي في إصبع قدمها الكبير. هذه الطقوس الغريبة ليست مجرد زخارف جنائزية، بل هي دليل مادي على رعبٍ ساد في مجتمعات القرن السابع عشر من فكرة «مصاصي الدماء» أو الكائنات التي قد تعود للحياة لتؤذي الأحياء.
لماذا المنجل والقفل؟
يشير الخبراء إلى أن دفن الموتى بهذه الطريقة يعكس معتقدات شعبية ترسخت في ذلك العصر. كان يُعتقد أن المنجل، الموضوع بوضعية توحي بقطع الرأس إذا ما حاول الجسد النهوض، وسيلةٌ للحيلولة دون عودة الميت من قبره. أما القفل، فكان يرمز إلى إغلاق الباب نهائياً أمام عودة الروح إلى الجسد، أو ربما لمنع «الميت» من الخروج من القبر. إنها طقوس تعبر عن قلق المجتمعات القديمة من الموت غير المفهوم، حيث كان يُنظر لأي شخص تظهر عليه أعراض غير معتادة قبل وفاته كخطر خارق للطبيعة.
نظرة على الماضي
لم تكن هذه الفتاة استثناءً؛ فقد عثر علماء الآثار في مواقع مختلفة من أوروبا الشرقية على قبور مشابهة تتضمن أدوات حديدية أو صخوراً توضع في أفواه الجثث لمنعهم من «التغذي» على دماء الأحياء. إن اكتشاف هذا القبر يوفر لنا نافذة فريدة على علم النفس الجمعي في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث، حيث امتزج العلم المحدود بالخرافة لمواجهة المجهول. هكذا، تظل هذه الرفات شاهدة على صراع الإنسان الأبدي مع الخوف من الموت، وكيف استطاعت الأساطير أن تشكل ممارساتٍ جنائزية استمرت لقرون لتترك بصمةً لا تُمحى في سجلات التاريخ البشري.
بقلم: هاني سلام
المصدر: popsci.com
