عاجل

فجوة الجاهزية الحكومية.. حين تتسع المسؤولية أسرع من قدرة المؤسسة

عبدالله سعيد الحبسي

تتغير مسؤوليات الحكومات اليوم بسرعة لا تشبه إيقاع التغيير الإداري التقليدي. فالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد والطاقة والمياه والغذاء لم تعد ملفات منفصلة تمامًا؛ إذ يمكن لاضطراب يبدأ في أحدها أن ينتقل خلال ساعات إلى ملفات أخرى.

وفي خلوة السفراء 2026 التي نظمتها مؤسسة القمة العالمية للحكومات في دبي بمشاركة ممثلين عن أكثر من مئة دولة، ظهرت نتيجة تستحق القراءة أبعد من أرقام الاستطلاع. فقد أظهر الاستطلاع العالمي للوزراء 2026، الذي شمل 61 وزيرًا، أن 79% يتوقعون اتساع دور حكوماتهم مستقبلًا، بينما قال 34% فقط إن حكوماتهم تبنت التغيير بالكامل. وجاء نقص التمويل بنسبة 36%، ثم نقص الكفاءات والمهارات بنسبة 18%، ثم تحديات الأمن السيبراني بنسبة 16% في مقدمة العوائق.

فجوة الجاهزية الحكومية

المسافة بين 79% و34% يمكن أن نسميها «فجوة الجاهزية الحكومية»: أن تتسع المسؤوليات التي تحملها الدولة أسرع من قدرة المؤسسة على استيعابها وتشغيلها واتخاذ القرار بشأنها.

هذه الفجوة لا تظهر بالضرورة في الخطط والاستراتيجيات. قد تمتلك المؤسسة منصة رقمية متقدمة وخطة تحول ومؤشرات أداء، لكنها تُختبر حقًا عندما تقع حالة غير معتادة وتتقاطع مسؤوليات أكثر من جهة.

الزمن إلى القرار المخوّل

هنا يصبح السؤال: كم يستغرق انتقال المعلومة الموثوقة من نقطة اكتشاف المشكلة إلى صاحب الصلاحية القادر على اتخاذ القرار؟ أقترح أن يصبح هذا الزمن مؤشرًا مؤسسيًا بحد ذاته: «الزمن إلى القرار المخوّل».

في مصر والإمارات، رغم اختلاف الحجم والبنية والتحديات، توجد قيمة كبيرة في هذا السؤال. فكلما توسعت الخدمات الرقمية والبنية التحتية وترابطت القطاعات، أصبحت سرعة التنسيق بين المؤسسات جزءًا من جودة الخدمة نفسها.

الذكاء الاصطناعي وسؤال السلطة والمسؤولية

الذكاء الاصطناعي يزيد أهمية هذه المسألة. فالآلة تستطيع تسريع التحليل، لكنها لا تحل تلقائيًا سؤال السلطة والمسؤولية. إذا أعطى النظام توصية تبدو منطقية لكنها غير مناسبة لحالة استثنائية، فمن يملك الاعتراض؟ ومن يوقف التنفيذ؟ وإلى من تنتقل الحالة؟

نقص المهارات.. أبعد من المبرمجين

أما نقص المهارات فلا ينبغي اختزاله في الحاجة إلى مزيد من المبرمجين. المؤسسات تحتاج أيضًا إلى أشخاص يفهمون ما يكفي من التقنية والقانون والتشغيل والإدارة كي يترجموا بين هذه المجالات ويعرفوا متى تتحول المشكلة الفنية إلى قرار قيادي.

التمويل لا يضمن الجاهزية

والتمويل بدوره لا يضمن الجاهزية. فمن الممكن شراء التقنية في أشهر، بينما تحتاج الثقافة المؤسسية ومسارات الصلاحية والمساءلة إلى وقت أطول كي تتغير.

الأمن السيبراني واستمرارية القرار

أما الأمن السيبراني، فلم يعد مجرد حماية للشبكات. كلما أصبحت الخدمات الحكومية رقمية، أصبح الأمن السيبراني جزءًا من استمرارية القرار والخدمة والثقة العامة.

كيف نقيس الجاهزية الحكومية؟

لهذا فإن قياس الجاهزية الحكومية يحتاج إلى اختبار أربعة أمور: سرعة اكتشاف التغيير، وسرعة وصول المعلومة الموثوقة إلى صاحب الصلاحية، والقدرة على التنسيق عندما تعبر المشكلة حدود جهة واحدة، والقدرة على تعديل القرار عندما تتغير المعطيات.

عندما تصبح الظروف أصعب من الخطة

الحكومة الأكثر جاهزية ليست بالضرورة التي أعلنت أكبر عدد من مشروعات التحول، بل التي تستطيع أن تتخذ قرارًا صحيحًا وقابلًا للمراجعة عندما تتعرض عدة أنظمة للضغط في الوقت نفسه.

إن نتيجة الاستطلاع لا تقول إن الحكومات لا تتغير؛ بل تقول إن حجم المسؤولية المتوقعة قد يسبق سرعة التكيف. وهنا تحديدًا تبدأ المهمة المقبلة: تحويل التحول من مشروع معلن إلى قدرة مؤسسية تعمل عندما تصبح الظروف أصعب من الخطة.

المسمى: كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات

المصدر: المكتب الإعلامي لحكومة دبي / القمة العالمية للحكومات، خلوة السفراء 2026، 28 سبتمبر 2026.

هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 2   +   8   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة