بقلم : رؤى عادل علي
كنت أحسب أنني وحدي من أهيم وَلَهًا في لسان الضاد، تلك اللغة التي نزل بها الوحي، وسما بها إلى معارج الفصاحة، وأودعها سر الخلود: «إن هذه اللغة بُنيت على أصلٍ سحريّ يجعل شبابها خالدًا عليها، فلا تهرم ولا تموت». — الرافعي
فهي خالدة أينما كانت، حتى في النفوس؛ ما تجد أحدًا أصابه داء العشق هذا فوجد له دواء، بل لا يلبث حتى يستحكم سلطانها ويستبدّ سحرها، فيغدو أسيرًا ولا يجد للبرء سبيلًا.
ويزيد الكُتّاب ما بيننا وبينها من الصبابة والوجد، فينسجون من خيوط البيان ما يثير مكامن الشعور فينا، وتنتشي أرواحنا، ونقف أمام لغة التنزيل وقد تجلّت في أبهى حللها، وتآلفت فيها محاسن البلاغة وروائع البيان، فيستحيل الأدب سحرًا: «ويستدنون نافرها، ويجمعون شاردها، وينظمون لآلئها نظم الثاقب لآلئه في السلك، فيأخذها الناس عنهم من أخصر الطرق وأقربها، وأشهاها إلى النفس، وأعلقها بالقلب». — مصطفى لطفي المنفلوطي
ويا لِصِغَر العقل أمام سعة هذا العالم! فما أكثر العقول التي غاصت في بحار العربية، وتشربت من معين بيانها، واستجلت من وجوه إعجازها ما كشف لها عن عظيم قدرها ورفيع منزلتها؛ تلك اللغة التي تعاقبت عليها القرون، وتوالت عليها الأجيال، فامتد سلطانها، فما وهنت عزائمها ولا خبا سناها، بل ظلّت شامخةً في وجه الزمان، راسخةً في النفوس، معينًا لا ينضب، متجدّدةً في عطائها، وكأنّما أودع الله في أسرارها من كنوز البيان ما لا تنفد ذخائره، لتظلّ منارةً للفصاحة، وشاهدًا على عراقة حضارة، ولسانًا خلّد القرآن ذكره على مرّ الأزمان، وشهد لها بالتبيان، إذ أنزله الله بلسانٍ عربيٍّ مبين.
فما من شيء يسعدني أكثر من أن أرى إنسانًا وجد في اللغة العربية شغف روحه، ومن حبّها حياةً تزدهر فيها نفسه، ومن التعمّق في بحارها غايةً لا يفتأ ينشدها.
فهي كما وصفها الأديب عبد الوهاب عزّام: «كأنّما كلماتها خطوات الضمير، ونبضات القلوب، ونبرات الحياة».

آخر فيديو
The Most Annoying Neighbor in This San Antonio Subdivision Is a Leaking Oil Well