عبدالله سعيد الحبسي
كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات
لم تعد واقعة رحلة فلاي دبي FZ1073
مجرد حادث أمني داخل قمرة قيادة طائرة، بل أصبحت تطرح سؤالًا أوسع يتعلق بمفهوم الثقة المهنية وحدود الصلاحيات داخل المؤسسات شديدة الحساسية.
ففي الثالث من أكتوبر، أعلن النائب العام للاتحاد أن التحقيقات كشفت عن شروع مساعد قائد الطائرة في تنفيذ عملية إرهابية، وأنه اعتدى على قائد الطائرة داخل قمرة القيادة مستخدمًا فأس الطوارئ، وحاول السيطرة على أدوات التحكم.
ومع ذلك، أكد النائب العام أن التحقيق لا يزال مستمرًا لكشف الملابسات والدوافع والصلات واستكمال فحص الأدلة.
وهنا تظل نقطة مهمة يجب عدم تجاوزها: التحقيق يتيح لنا مناقشة مواطن الخلل، لكنه لا يتيح لنا اختراع دوافع أو روابط لم تثبتها التحقيقات.
عندما يأتي الخطر من داخل دائرة الثقة
أكثر ما يلفت الانتباه في الواقعة ليس الأداة المستخدمة ولا المكان وحده، وإنما حقيقة أكثر تعقيدًا.
الشخص الذي تتحدث عنه التحقيقات لم يكن يحاول اقتحام باب محمي من الخارج، بل كان موجودًا أصلًا داخل المساحة التي منحه النظام صلاحية الوصول إليها.
وهنا يظهر سؤال ربما يحتاج إلى مساحة أكبر في تفكير المؤسسات الأمنية:
ماذا نفعل إذا تغير الخطر بعد أن مُنحت الصلاحية بصورة مشروعة؟
لقد أمضينا سنوات طويلة في تطوير أنظمة تسأل: من يحق له الدخول؟ وكيف نتحقق من هويته؟ وما مستوى الصلاحية التي يمتلكها؟
لكن ربما حان الوقت لأن يحظى السؤال التالي بالاهتمام نفسه:
ماذا يحدث بعد الدخول؟
الثقة لا تعني غياب المراجعة
مصر والإمارات دولتان ترتبط فيهما قطاعات الطيران والنقل والطاقة والخدمات بملايين البشر يوميًا، وتعتمد هذه القطاعات على آلاف العاملين الذين يمتلكون صلاحيات للوصول إلى أماكن وأنظمة لا يصل إليها الجمهور.
ولهذا لا أرى أن درس الواقعة يخص قمرة القيادة وحدها.
فالسؤال نفسه يمكن أن يظهر داخل غرفة تحكم أو محطة أو بنك أو منشأة حيوية:
ماذا نفعل إذا تغير سلوك شخص يمتلك أصلًا الصلاحية الصحيحة؟
لا أؤمن بتحويل الموظف إلى مشتبه به دائم. فالمؤسسة التي تعمل بالخوف ستخسر الثقة والمبادرة معًا.
لكن يمكن للمؤسسة أن تفرق بين الثقة في الإنسان وبين ترك كل فعل حساس دون مراجعة.
فبعض القرارات تحتاج إلى عين ثانية، وبعض التغيرات تحتاج إلى قناة آمنة للإبلاغ، وبعض الصلاحيات يجب أن يكون من الممكن تجميدها مؤقتًا دون أن يتحول ذلك إلى إدانة.
السلطة شيء.. والثقة شيء آخر
لا أرى أن الحل يكمن في الشك الدائم في العاملين.
فالطيران والطاقة والموانئ والبنوك وغرف العمليات لا يمكن أن تعمل إذا تعاملنا مع كل محترف باعتباره خطرًا محتملًا.
الثقة ضرورة تشغيلية.
لكن الثقة شيء، والسلطة شيء آخر.
يمكن أن يبقى الإنسان موضع ثقة، بينما يحتاج فعل حساس بعينه إلى تحقق ثانٍ.
ويمكن أن يبقى التصريح صالحًا، بينما تستدعي ظروف جديدة تقييد صلاحية محددة بصورة مؤقتة.
هذه ليست فلسفة تقوم على الشك، وإنما على تصميم أنظمة تستطيع التعامل مع تغير الظروف دون أن تهدم الثقة التي تقوم عليها المؤسسة.
عندما يفشل المنع.. تبدأ أهمية الاستجابة
وهناك نصف آخر للقصة لا ينبغي أن يضيع وسط الحديث عن الخطر.
فقد أشادت الهيئة العامة للطيران المدني بشجاعة قائد الطائرة والطاقم والمسافرين الذين أسهموا في السيطرة على الموقف، لأن سرعة تدخلهم حالت دون نتائج أخطر.
وبالنسبة لي، هذه ليست ملاحظة جانبية.
إنها دليل على أن المرونة الأمنية لا تعني منع كل حادث مسبقًا فقط، بل تعني أيضًا أن يعرف الناس كيف يتصرفون عندما يفشل المنع.
فالأنظمة الأمنية مهما بلغت قوتها لا تستطيع ضمان اختفاء المخاطر بالكامل، لكنها تستطيع أن تقلل أثرها عندما يكون العاملون مدربين على التدخل واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.
الأمن لا يقرأ الأفكار.. بل يراقب السلوك المرتبط بالمهمة
المراجعة المستمرة للثقة يجب أيضًا ألا تتحول إلى مراقبة للأفكار، أو إلى تصنيف الناس وفق الجنسية أو الدين أو الخلفية.
هذا ليس أمنًا مهنيًا.
ما يمكن للمؤسسة قياسه هو السلوك المرتبط بالمهمة، ومحاولات تجاوز الصلاحية، والتغيرات ذات الصلة المباشرة بالسلامة، مع توفير قناة عادلة للإبلاغ والتحقق.
المطلوب ليس أن نحاول قراءة ما يدور في عقول الناس، وإنما أن نصمم النظام بحيث لا يصبح فعل واحد عالي العواقب رهينة لشخص واحد.
الثقة تحتاج إلى نظام يحميها
الدرس الذي أراه مهمًا لمصر والإمارات بسيط في عبارته، لكنه صعب في تنفيذه:
نحافظ على الثقة، لكننا لا نجعلها سلطة غير قابلة للمراجعة.
فالمؤسسة الناضجة ليست التي تفترض أن الخطر لن يأتي من داخل دائرة الصلاحية، وليست التي تشك في كل من يعمل داخلها، وإنما التي تستطيع أن تحافظ على الثقة، وفي الوقت نفسه تضع آليات تمنع تحول الصلاحية إلى نقطة ضعف لا يمكن اكتشافها إلا بعد وقوع الأزمة.

آخر فيديو
استعرض معنا في هذا الفيديو الإبداع الفني الخالص من خلال عرض أعمال