عاجل

التجارة العربية تدفع ثمن الخطر قبل وقوع الخسارة

بقلم: عبدالله سعيد الحبسي

كيف تؤثر المخاطر البحرية على التجارة قبل وقوع الخسائر؟

ليس من الضروري أن تتوقف سفينة أو تُغلق قناة ملاحية حتى تبدأ المخاطر البحرية في التأثير على الاقتصاد. ففي عالم التجارة الدولية، يكفي أحيانًا أن يظهر خطر غير واضح حتى تبدأ الشركات في مراجعة حساباتها، ويصبح موعد التسليم محل تساؤل، وتدخل احتمالات جديدة في قرارات النقل والتأمين والتوريد.

ومن هنا تأتي أهمية الحادث الذي تعرضت له ناقلة الغاز الطبيعي المسال القطرية «المايدة» مساء الثلاثين من أكتوبر، أثناء إبحارها في الخليج العربي. فقد أعلنت شركة «ناقلات» تعرض السفينة لأجسام مجهولة، مؤكدة سلامة الطاقم وعدم وقوع تأثير بيئي وبقاء الناقلة في وضع آمن وقادرة على العمل. وأعلنت وزارة الخارجية القطرية لاحقًا فتح تحقيق لمعرفة ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه.

هذه هي الوقائع المعلنة، ولا ينبغي تحميلها ما لم تثبته التحقيقات. فلا توجد في هذه المعلومات أدلة على توقف إمدادات الغاز أو وقوع اضطراب واسع في حركة التجارة نتيجة الحادث نفسه.

لكن بقاء السفينة قادرة على العمل لا يلغي السؤال الاقتصادي الأهم: هل تمتلك مؤسساتنا التجارية القدرة على التعامل مع المخاطر التي تظهر فجأة في الممرات البحرية؟

ارتباط الاقتصاد العربي بالممرات البحرية

الاقتصاد العربي مرتبط بالبحر ارتباطًا يتجاوز صادرات النفط والغاز. هناك مصانع تنتظر المواد الخام، وأسواق تعتمد على وصول السلع، وموانئ تدير حركة البضائع، وشركات نقل ترتبط بمواعيد وعقود وتكاليف لا تحتمل دائمًا التأجيل.

وقد ينظر المستهلك إلى وصول السلعة بوصفه أمرًا عاديًا، لكنه لا يرى ما يحدث قبل ذلك من قرارات بين المصدر والناقل والميناء والمستورد. وكلما أصبحت هذه القرارات أكثر تعقيدًا، ازدادت أهمية الاستعداد لأي اضطراب محتمل.

إدارة المخاطر بين الخطط والقرارات العملية

المشكلة أن إدارة المخاطر تُعامل في بعض المؤسسات باعتبارها نشاطًا إداريًا منفصلًا عن العمل اليومي. توضع الخطط في الملفات، وتعقد الاجتماعات لمناقشتها، بينما تبقى القرارات العملية غير واضحة لمن سيحتاجون إليها عند وقوع حدث غير متوقع.

من المسؤول عن التواصل مع المورد؟ ومن يقرر تغيير مسار الشحنة أو تعديل جدول التسليم؟ ومتى يصبح التحذير الأمني سببًا لاتخاذ إجراء تجاري؟ وهل يستطيع الموظف المسؤول الحصول على قرار سريع، أم سيجد نفسه أمام سلسلة طويلة من الموافقات؟

هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها قد تكون الفارق بين مؤسسة تستوعب الاضطراب وأخرى تضاعف آثاره على نفسها.

تنويع الموردين لا يكفي دون اختبار البدائل

ولا يكفي أن تطمئن الشركات إلى وجود أكثر من مورد أو أكثر من شركة شحن. فتنويع المصادر مهم، لكنه لا يضمن القدرة على استخدام البدائل في الوقت المناسب. قد يكون المورد البديل موجودًا، لكن التعاقد معه يتطلب وقتًا. وقد تتوافر وسيلة نقل أخرى، لكنها لا تتناسب مع طبيعة البضاعة أو مواعيد الإنتاج.

لهذا ينبغي أن تنتقل المؤسسات من الاكتفاء بإحصاء البدائل إلى اختبار إمكانية استخدامها فعليًا.

التعاون العربي لتعزيز الجاهزية البحرية

ويستطيع القطاعان العام والخاص في الدول العربية تعزيز هذه الجاهزية من خلال تدريبات مشتركة تجمع الموانئ وشركات النقل والمستوردين والجهات المعنية بالأمن والسلامة. والهدف ليس افتراض وقوع كارثة في كل مرة، وإنما معرفة ما إذا كانت قنوات الاتصال والصلاحيات والإجراءات قادرة على العمل تحت الضغط.

المعلومات الدقيقة جزء من حماية الاقتصاد

وتبقى دقة المعلومات جزءًا أساسيًا من حماية الاقتصاد. فالإشاعة قد تدفع شركة إلى اتخاذ قرار مكلف لا تبرره الوقائع، كما أن التأخر في إعلان معلومة مؤكدة قد يحرم شركة أخرى من فرصة الاستعداد.

ومن حق الأسواق أن تعرف ما ثبت، وما يزال قيد التحقيق، وما إذا كان هناك أثر تشغيلي حقيقي يستدعي التدخل.

الاستعداد للمخاطر قبل تحولها إلى خسائر

إن حادث الناقلة «المايدة» لا يثبت بحد ذاته حدوث أزمة اقتصادية، لكنه يذكرنا بحقيقة تستحق الاهتمام: التجارة لا تتأثر بالخسائر المباشرة وحدها، بل بقدرة المؤسسات على التعامل مع الاحتمالات قبل أن تتحول إلى مشكلات.

فالاقتصاد القوي ليس الذي يواصل العمل في الظروف الطبيعية فحسب، بل الذي يعرف كيف يحافظ على انتظام أعماله عندما تصبح الظروف أقل وضوحًا.

عن الكاتب

عبدالله سعيد الحبسي، MIoL

عضو معهد القيادة البريطاني

كاتب وباحث متخصص في القيادة والأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات

A.S. Alhebsi

أعلن الآن على المجلة العلمية اهرام - اضغط للتواصل وحجز إعلان عبر واتساب
هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 7   +   5   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة