عندما تبدأ الاستعدادات بعد وقوع المشكلة
في بعض المدن، تبدأ الاستعدادات للأمطار بعد أن تتوقف حركة المرور، وتدخل المياه إلى البيوت، وتتكدس الصور في هواتف السكان. عندها يتحرك الجميع، وتُفتح غرف المتابعة، وتُرسل فرق الصيانة، وتُطرح الأسئلة عن مصارف المياه والطرق التي لم تصمد. وما إن تستقر الأحوال حتى تعود الحياة إلى إيقاعها، ويبدو كأن المشكلة انتهت مع آخر بركة جفّت في الشارع.
الشوارع التي يعرف سكانها مواقع الخطر
لكن المطر لا يختفي من ذاكرة المكان. هناك شارع يعرف سكانه أنه يتحول إلى مجرى عند كل هطول كثيف، وموقف سيارات تتجمع عنده المياه، وعبّارة صغيرة تسدها المخلفات قبل أن يلاحظها أحد. هذه التفاصيل ليست أسرارًا هندسية، بل معرفة يومية يعيشها الناس، وقد تكون البداية الحقيقية لوقاية أفضل.
اختبار التكيف المناخي يبدأ من حياة الناس
يفتتح مؤتمر المناخ الحادي والثلاثون أعماله في أنطاليا يوم التاسع من نوفمبر، وستتردد خلاله كلمات كبيرة مثل التكيف والمرونة والتمويل. غير أن اختبار هذه الكلمات يبدأ في حي بسيط: هل يستطيع طفل الوصول إلى مدرسته بعد المطر؟ وهل تتمكن سيارة إسعاف من الوصول إلى منزل في شارع منخفض؟ وهل يعرف السكان الجهة التي تبلغ عن تجمع المياه قبل أن تتحول إلى خطر؟
صعوبة مواجهة الأمطار لا تبرر تكرار المفاجأة
ليس من الإنصاف أن نطالب أي مدينة بمنع كل ضرر؛ فالأمطار الشديدة قد تتجاوز قدرات منشآت صُممت لظروف مختلفة. كما أن التوسع العمراني يغير طبيعة تصريف المياه، وقد تحتاج الحلول إلى دراسات واستثمارات لا تُنجز في أسبوع. لكن الاعتراف بصعوبة المسألة لا يبرر تكرار المفاجأة في المواقع نفسها عامًا بعد آخر.
الشكاوى المتكررة تكشف غياب معالجة السبب الجذري
المشكلة في كثير من الأحيان ليست نقص المعرفة وحده، بل طريقة التعامل معها. فقد يتلقى مركز البلاغات شكوى عن مصرف مسدود، ثم تغلق المعاملة بعد المعالجة المؤقتة. وبعد أشهر تعود المياه إلى الموقع ذاته، ويُفتح بلاغ جديد برقم جديد. في السجلات تبدو الواقعتان منفصلتين، أما لدى السكان فهي مشكلة واحدة لم تُحل من جذورها.
قياس النجاح بعدد المواقع التي تراجعت فيها المخاطر
لذلك فإن النجاح لا يُقاس بعدد البلاغات المغلقة أثناء الحالة الجوية فحسب، وإنما بعدد المواقع التي تراجعت فيها المخاطر قبل الحالة التالية. ومراجعة الشكاوى المتكررة قد تكون أحيانًا أكثر فائدة من شراء نظام جديد لعرض مؤشرات الاستجابة على الشاشات.
الصيانة الوقائية تحتاج إلى ميزانية ثابتة
وتحتاج أعمال الصيانة الوقائية إلى مكان ثابت في الميزانية، لا أن تبقى بندًا يمكن تأجيله كلما ظهرت أولوية أكثر وضوحًا. فتنظيف مجرى وتصحيح ميل طريق وفحص مضخة ليست أعمالًا تثير الإعجاب في الصور، لكنها قد توفر على الناس خسائر كبيرة. الوقاية لا تملك دائمًا مشهدًا احتفاليًا، وربما لهذا يسهل تأجيلها.
التعاون بين المؤسسات والسكان في تحديد المخاطر
ولا يمكن فصل مسؤولية المؤسسة عن دور السكان. فمن المهم ألا تتحول البلاغات إلى تبادل للاتهامات بين المواطن والجهة الخدمية. يمكن للبلديات أن تستفيد من خبرة أصحاب المحال وسائقي الحافلات والعاملين الميدانيين؛ فهم يعرفون مواقع الخطر وتوقيتها، بينما تمتلك الجهات المختصة القدرة على التحقق الهندسي وترتيب الأولويات. الجمع بين المعرفتين أقوى من الاكتفاء بإحداهما.
وضوح التحذيرات قبل هطول الأمطار
وهناك جانب يحتاج إلى اهتمام أكبر، وهو وضوح الرسالة قبل المطر. فالتحذير العام لا يكفي دائمًا. الناس بحاجة إلى معرفة الطريق الذي يُنصح بتجنبه، وكيف يبلغون عن خطر، ومتى يكون البقاء في المكان أكثر أمانًا من محاولة العبور. الرسالة المفيدة ليست الأطول، بل التي تجعل القرار أسهل في اللحظة الصعبة.
كل حادث فرصة لتحسين الاستعداد
لن تتشابه المدن في قدراتها المالية أو طبيعة تضاريسها، ولن تتساوى جميع المشروعات في كلفتها. لكن من الممكن أن تتفق على مبدأ واحد: أن يكون لكل حادث أثر في تحسين الاستعداد، لا أن ينتهي دوره عند إعداد التقرير النهائي.
المدينة التي تتعلم لا تنسى ما حدث
أكثر ما يزعج الناس ليس المطر وحده، بل أن يروا المشهد نفسه يتكرر، وأن يسمعوا الوعود ذاتها بعد كل مرة. والمدينة التي تتعلم لا تدّعي أنها لن تواجه المطر مجددًا؛ إنها تثبت لسكانها، بالأعمال الصغيرة قبل الكبيرة، أنها لم تنس ما حدث في المرة السابقة.
الكاتب: عبدالله سعيد الحبسي، MIoL، عضو معهد القيادة البريطاني، كاتب وباحث إماراتي مستقل في الأمن والتراث وإدارة المخاطر والقيادة وغرف العمليات.
A.S. Alhebsi



آخر فيديو
تابع معنا تحليل قراءة الصحف اليومية مع الكاتب الصحفي هاني سلام عبر