كفاءة الطاقة وأثرها على البيئة

كتب : د. مصطفى محمد صلاح الدين : الاسكندرية : مصر
يعتقد اختصاصيوا البيئة اعتقادا راسخا أن تحسين كفاءة الطاقة يؤدي إلى خفض استهلاكها، ومع هذا فان الاقتصاديين على اختلاف قناعاتهم متحدون في اعتقادهم بأن العكس سوف يحدث. إنهم يحتجون بأن تحسين كفاءة الطاقة يؤدي إلي خفض السعر الضمني ويجعل استخدامها أرخص مما يؤدي إلى زيادة الاستهلاك. فبالرغم من العديد من المحاولات خلال الخمس والعشرين سنة الماضية للحد من استخدام الطاقة فان استهلاك الطاقة في جميع دول العالم الصناعية في ارتفاع مستمر. 
وهكذا فان رفع كفاءة الطاقة ليس هو الحل الأمثل لمشاكل البيئة كما يدعي الكثيرون، وزيادتها لن تؤدي بالضرورة لخفض استهلاك الطاقة وبالتالي خفض انبعاث ثاني اكسيد الكربون. ومع هذا فهي توفر نقود المستخدمين وتجعل الاقتصاد أكثر كفاءة ونجاحا وتسمح بتمويل الحركة نحو مستقبل خالي من الوقود الحفري. إنها وسيلة وليست نهاية.
ولكن ما هي كفاءة الطاقة؟
كفاءة الطاقة هي ببساطة النسبة بين خدمات الطاقة الناتجة والطاقة الداخلة. فهي تعني الحصول على أقصى خدمة ناتجة من كل وحدة طاقة نشتريها. وهنا يجب أن نفرق بين مصطلحي كفاءة الطاقة وحفظ الطاقة. حفظ الطاقة هو خفض استهلاك الطاقة باستخدام نوعية أقل من الخدمات للطاقة مثل وضع حد أقصى لسرعة السيارات، وتحديد مستويات تسخين أقل باستخدام منظمات الحرارة. فحفظ الطاقة يتأثر بقوة بنظام العمل وسلوك المستهلك واسلوب الحياة.
“اصعد الدرج فهذا أكفأ طاقة” هذه العبارة يترجمها الشخص (س) كتعريف حقيقي لكفاءة الطاقة، فهو لم يستعمل المصعد ووصل إلى حيث يريد مستعملا أقل طاقة لتحقيق ذلك. الشخص (ص) يترجم هذه العبارة بشكل مختلف، فهو يعتقد أن هذا ليس أكفأ استخدام للطاقة ولكنه حفظ للطاقة عند مستوى منخفض من الخدمة، فعليه أن يصعد على رجليه بدلا من أن يركب المصعد. فهو يفكر دائما في أن زيادة كفاءة الطاقة يكون إما بخفض الطاقة اللازمة لمستوى معين من الخدمة، أو بزيادة الخدمات الناتجة من كمية معينة من الطاقة.
كان هناك دائما نقاد لكفاءة الطاقة، ولكن حتى منتصف التسعينات من القرن الماضي كانوا محصورين في المجلات الاكاديمية. منذ ذلك الحين إنتقل النقاش إلى الصحف السيارة. إقتصاديون كثيرون يعتقدون أن زيادة كفاءة الطاقة على المستوى الاقتصادي المحدود يؤدي إلى خفض الطاقة المستخدمة على هذا المستوى ولكنه يؤدي للعكس على المستوى القومي. ويحتجون بما حدث خلال القرن الماضي من زيادة استهلاك الطاقة رغم ارتفاع مستويات كفاءة الطاقة.
مثال على ذلك ما حدث في أوائل القرن العشرين حيث حلت مصابيح التنجستن محل مصابيح الكربون. كانت المصابيح الجديدة تستخدم من ربع إلى نصف الكهرباء في المصابيح القديمة. النتيجة الفورية لذلك انخفاض حاد في عائدات مرافق الكهرباء التي كانت تعتمد بشدة على مبيعات الاضاءة. ردت بعض المرافق على هذه الخسارة برفع التعريفات وزيادة قدرة المصابيح. لكن النظرة الأكثر بعدا أدركت أن هذه الثورة في كفاءة المصابيح خلقت سوقا ضخما للاضاءة الكهربية. فبدلا من التعريفة المعتمدة علي المبيعات المنخفضة مع ربح أعلى لكل وحدة مباعة، تم وضع نظام جديد للتعريفة يستند على ربح أقل لكل وحدة مباعة ويؤدي إلى ضخامة المبيعات. وقد اتحدت الكهرباء الأرخص مع الكفاءة الأكبر في خلق سوق ضخم بمبيعات أكثر وأرباح أعظم.
بعد قرن تقريبا مازالت هناك تحسينات تقنية يمكن أن تتم في الاضاءة، فهل ستكون النتيجة انخفاضا في مبيعات الكهرباء لأغراض الاضاءة؟ ربما يحدث هذا في المدى القريب، ولكن على المدى البعيد بالتأكيد لا. ثورة الكفاءة هذه ستحفز المبيعات كما فعلت كل الثورات في الماضي. هذا سيسمح بدخول الاضاءة الكهربية إلى هؤلاء الذين لايستطيعون تحمل تكلفتها حاليا خصوصا في بلدان العالم الثالث، وسيسمح للبلدان المتطورة بتوسيع استخدام الاضاءة بمعايير أرقى.
لتوضيح الزيادة الهائلة في كل من كفاءة الطاقة والاستهلاك هناك بعض البيانات تمتد إلى العشرينات من القرن الماضي توضح اتجاهات استهلاك الطاقة وكفاءة الطاقة في الاضاءة العامة في بريطانيا. تكشف هذه البيانات الزيادة الكبيرة التي تعدت الثلاثين ضعفا في استهلاك الكهرباء والعشرين ضغفا في كفاءة الاضاءة العامة. في نفس الفترة زادت الطرق بنسبة تقل عن خمسين بالمائة. وهكذا فان الزيادة الكبيرة في كفاءة المصابيح أخذت شكل مستويات عالية من الخدمة تتمثل في اضاءة مسافات أطول مع مستويات اضاءة أعلى وليس في شكل استهلاك أقل.
مثال آخر ما حدث منذ السبعينات من تحسن كبير في كفاءة السيارات من خلال استخدام عدد من التقنيات مثل المواد الخفيفة الوزن وحقن الوقود وديناميكا الهواء. بالرغم من أن هذه التقنيات يمكن استخدامها لتخفيض استهلاك الوقود فانها اتجهت نحو زيادة القدرة والسرعة. النتيجة النهائية أنه لم يحدث تحسن في اقتصاد وقود السيارات.
نحن نحتاج أن ندرك الخطر الناجم من استغلالنا لرفع الكفاءة لنستهلك المزيد. فالسؤال الذي يجب طرحه هنا ليس كيف نستطيع تحقيق أقصى كفاءة ممكنة ولكن كيف نتأكد أن المكاسب من استراتيجيات الكفاءة تستعمل لتحقيق تحسينات بيئية حقيقية. ورغم أن المدافعين عن كفاءة الطاقة يقرون بأن بعض المدخرات الناتجة من تحسين الكفاءة تأخذ شكل استهلاك أعلى للطاقة إلا أن هناك جدل واسع حول مقداره بأنه أقل بكثير من مائة بالمائة، ربما بين عشرة وعشرين بالمائة.
هناك فكرة يروج لها الكثيرون بأن اقتصاد المعلومات والاقتصاد المعتمد على الخدمات هي اقتصاديات حميدة بيئيا أكثر من اقتصاديات التصنيع فأثرها البيئي أقل. لكن هذه الفكرة تلقى معارضة كبيرة، فما يحدد الأثر البيئي الشخصي للفرد ليس فقط كيف يتكسب معيشته ولكن أيضا كم يستهلك. بالاضافة إلى أن الخدمات والمعلومات تستهلك طاقه كثيفة خصوصا النقل والسياحة.
أخلاق الحماية
يرى البعض أننا لسنا بحاجة للمزيد من الكفاءة الذي يؤدي إلى المزيد من الاستهلاك، ولكن مانحتاجه هو استهلاك أقل، ويطالبون بوضع حدود للاستهلاك من خلال مانع اخلاقي وتغيير ثقافي. إنهم يدعون إلى سياسة الحماية وليس سياسة الكفاءة، فاذا كانت الكفاءة تخبرنا ماذا نشتري فان الحماية تخبرنا كيف نتصرف. إذا أردنا أن نحمي البيئة يجب أن نؤكد على الحماية والحد من الاستهلاك وليس كفاءة الطاقة والاستهلاك الرشيد. هذه قضية اخلاقية وليست اقتصادية. فالحماية عمل بطولي ينم عن الانضباط والتضحية والاهتمام بالمصالح العامة. يجب أن نستخدم طاقة أقل لأن ذلك هو العمل الصحيح وليس لأن أحدا يدفعنا إليه.
يبتعد السياسيون عن الدعوة لفرض قيود علي الاستهلاك خصوصا بعد المصير المؤسف لدعوة الرئيس الامريكي جيمي كارتر التي أطلقها عام 1979 خلال أزمة الطاقة الثانية مطالبا الشعب الامريكي ممارسة ضبط النفس لتوفير الطاقة، وأنه يجب أن يكون للحياة معنى وهدف أسمى من تحقيق اللذة الذاتية بامتلاك الأشياء وزيادة الاستهلاك. بدلا من ذلك أوصى الشعب بضرورة إعادة اكتشاف القيم الامريكية الاصيلة للتدبير وتبادل المعونة والروحانية. لقد سخر الناس من وجهة نظر كارتر وفقد الرئاسة بفارق كبير لصالح ريجان عام 1980.
هذا المفهوم الذي يؤكد على خفض الاستهلاك ورفع شعار “عش هنيئا بأقل القليل” يدعو إليه أصدقاء البيئة، ولكنه يظل دعوة أخلاقية بشكل رئيسي وليس نظرة عملية لطبيعة المستهلكين.
ضريبة الكربون
ينظر الكثيرون من البيئيين والحكومات الاوروبية إلى القول بأن سياسة تحسين كفاءة الطاقة ستؤدي إلى استهلاك منخفض للطاقةبشك كبير، ويرون أن الطريق العملي لخفض استهلاك الطاقة، إذا كنا راغبين في ذلك حقا، هو فرض الضرائب. يجب أن نجعل هدفنا هو تحقيق خفض في ثاني أكسيد الكربون وليس استخدام أقل للطاقة. ما نحتاجه هو التحول من الوقود الحفري، خصوصا الفحم، نحو وقود به كربون أقل مثل الغاز الطبيعي وفي النهاية نحو وقود غير حفري مثل الطاقة المتجددة والطاقة النووية.
لتشجيع هذا التغيير نحتاج ضرائب كربون وليس ضرائب طاقة، فالهدف ليس فرض ضريبة على الطاقة ولكن توفير المال اللازم للتغير نحو خفض ثاني أكسيد الكربون. الدخل من ضرائب الكربون يمكن أن يستخدم لدعم سياسات خفض الكربون مثل استخدام الطاقة المتجددة وزرع الغابات أو السير في سياسات مبتكرة لخفض الكربون.
الحياة الطيبة
ماهي الحياة الطيبة؟ هل نستطيع أن نستهلك سلع وخدمات أكثر لتحقيق نوعية أرقى من الحياة ولكن باستخدام أقل للمواد والطاقة؟ هل يمكن جعل الحياة باستخدام طاقة أقل مرغوبا فيها بالاقناع الأخلاقي والتغيير الثقافي؟
هذه أسئلة قديمة جدا، ولكن ابتكار اسلوب حياة يقوم على مبدأ الحماية وشعار “عش هنيئا بأقل القليل” سيستغرق وقتا طويلا. أثناء ذلك تكون كفاءة الطاقة أداة ثمينة لتوفير نقود المستهلكين وتحفيز معدل الانتاج الاقتصادي، ويستمر الترويج لها مهما كان تأثيرها على استهلاك الطاقة.
المستويات العالية للكفاءة تمثل جزءا أساسيا لمعدل إنتاج اقتصادي ديناميكي مع حياة ذات نوعية راقية. يجب ألا يكون هدف كفاءة الطاقة هو خفض استهلاك الطاقة ولكن تحقيق حياة ذات نوعية أرقى وتمكننا من تمويل الانتقال إلى مستقبل أخضر دائما.

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: